شرح
لقيام البرهان على وجود أمر آخر في النفس غير التصوّر والتصديق في القضايا الكاذبة .
الثالث : قال قدس سره باستحالة تخلّف الإرادة عن المراد في التكوينيّة وعدم استحالة التخلّف في الإرادة التشريعيّة ( 1 ) ، ولم يبيّن وجه الفرق بينهما .
وقد ظهر ممّا ذكرناه أنّ وجه عدم التخلّف في الإرادة التكوينيّة المتعلّقة بأفعال العباد أنّ متعلّقها اختيار العبد ، فإنّه تعالى - بناءً على ما ذكرناه - اقتضت مصلحته الكاملة التامّة أن يريد ما يختاره العبد من الفعل أو الترك ، فعدم التخلّف من جهة عدم تعلّق إرادته تعالى بخصوص الفعل أو بخصوص الترك ، فكلّ ما وقع من الفعل أو الترك لا يكون متخلّفاً عن إرادته تعالى .
وأمّا الإرادة التشريعيّة فقد تعلّقت بخصوص أحد الطرفين فيحصل التخلّف ، وقد عرفت أنّه لا إشكال في ذلك .
الرابع : أنّه لم يبيّن وجه عدم إشكال في تخلّف الإرادة عن المراد في التشريعيّة واستحالة التخلّف في التكوينيّة .
وقد ظهر ممّا ذكرناه أنّ الوجه في التخلّف في الأولى هو النقصان في طرف المتعلّق ، ومعه لا إشكال في ذلك . والوجه في عدم التخلّف في التكوينيّة المتعلّقة بأفعال العباد هو إطلاق الإرادة لطرفي الوجود والعدم وإن كان المتعلّق فيها أيضاً يكون ناقصاً ولذا لا يلزم الجبر .
الخامس : ما ذكره من قوله « إن قلت : إذا كان الكفر والعصيان . . . ( 2 ) » أي شبهة الجبر ، فإنّها واردة إذا كان المتعلّق للإرادة التكوينيّة المتعلّقة بأفعال العباد هو اختيار خصوص ما وقع في الخارج ، لا كلّ ما يختاره من الفعل أو الترك .
السادس : ما ذكره في الجواب ( 3 ) ، فإنّه إذا فرض تعلّق الإرادة الحتميّة بخصوص ما يفعله العبد من العصيان فالاختيار الحاصل منه لا محالة قد وقع جبراً ، فليت شعري أيّ مانع من أن يقال : إنّه تعالى يريد ما يختاره العبد فعلًا أو تركاً فلا جبر لصورة الاختيار أصلًا .
السابع : قوله « إلّا أنّهما منتهيان إلى الإرادة الأزليّة ، ولازمه عدم صحّة المؤاخذة إلّا من جهة الشقاوة الذاتيّة » ( 4 ) محلّ إيراد ، فإنّ الإرادة الأزليّة الّتي قد سبقت إرادة العبد هي إرادته تعالى بأن يختار العبد إمّا الفعل وإمّا الترك ويعلم بأنّ المصلحة في ذلك ، وتلك المصلحة لا تنافي مصلحة اختيار الفعل أو الترك بالخصوص كما في الواجبات والمحرّمات ، فيعلم ذلك أيضاً أو يريد - بناءً على اختلاف المسلكين - فلا بدّ أن يراعي العبد مصلحة الترجيح ، وإن لم يراع ذلك فما يختاره العبد من حيث إنّه اختاره بلا خصوصيّة في الفعل والترك أيضاً يكون ذا مصلحة ، لا من باب وجود خصوصيّة في ما اختاره ، بل من باب أنّ مقتضى الإرادة الإلهيّة والعلم بالمصالح هو أن يكون العبد مختاراً في الفعل والترك ، والجمع بين المصلحتين يقتضي لزوم اختيار ما حكم اللَّه تعالى به ، فإذا أعرض عنه فقد عصى ، لكن ما يأتي به واجد لمصلحة متقوّمة بالفعل أو الترك من باب كون متعلّق علمه تعالى بالصلاح أو هو وإرادته تعالى هو تحقّق ما يختاره العبد في الخارج ، وأمّا صِرف العلم بالتحقّق فلا يصير موجباً للجبر ورفع الاختيار .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : ص 88 . ( 2 و 3 ) كفاية الأصول : ص 89 . ( 4 ) كفاية الأصول : ص 89 .