شرح
موارد الامتحان والتعجيز والتهديد ووضوحِ عدم الإرادة ، وكذلك يكون الطلب متحقّقاً بالنسبة إلى العصاة مع أنّه ليس منه تعالى إرادة ، لأنّ إرادته تعالى لا تتخلّف عن المراد ولكن لا مانع من تحقّق الطلب وعدم المطلوب » مدفوعٌ :
أمّا الأوّل فبأنّ المحقّق في الموارد المذكورة هو الطلب الإنشائيّ ، لا صفة حقيقيّة في النفس .
وأمّا الثاني فبأنّ الطلب موجود بالنسبة إلى العصاة ، والإرادة التشريعيّة الّتي هي العلم بالمصلحة في فعل المكلّف أيضاً موجودة ، وعدم التخلّف إنّما هو في الإرادة التكوينيّة الّتي هي العلم بالنظام على الوجه الكامل التامّ ، وهي ليست موجودة في العصاة حتّى يلزم إشكال التخلّف ، فالعصيان على طبق الإرادة التكوينيّة دون التشريعيّة ، إلى آخر الإشكالات والأجوبة الخارجة عن أصل البحث ، ولعلّه يجيء الإيماء إليها إنشاء اللَّه تعالى .
ومنها : أنّ الظاهر - كما في الكفاية ( 1 ) - عدم اقتضاء الأمر أو النهي بمادّتهما أو بالهيئة أو ب « أطلب » أو « أنهى » أو « أريد » وجود صفة أخرى في النفس غير العلم والإرادة ، إذ كما مرّ في توضيح ما في الكفاية أنّ منشأ التوهّم أمران :
أحدهما : وجود الطلب في مورد القطع بعدم الإرادة كما في موارد الاختبار والاعتذار والتعجيز وغير ذلك .
وهو مدفوعٌ بأنّ مقتضى الإنشاء - كما تقدّم ( 2 ) - ليس إيجاد صفة في النفس ، بل الأعمّ منه ومن الإيجاد في مقام الاعتبار أو الإيجاد بنفس اللفظ كما في قوله : « أناديك بلسان قد أخرسه ذنبه » إذا كان المقصود النداء المتحقّق بذلك اللفظ ، فإنشاء الطلب لا يستلزم وجود صفة حقيقيّة في النفس غير الصفات المعروفة الّتي منها إرادة الإنشاء والعلم بالمنشإ والمصلحة في ذلك .
ثانيهما : ضرورة ثبوت التكليف بالنسبة إلى العصاة مع أنّه لا إرادة بالنسبة إليهم من جانب اللَّه تعالى ، لأنّ إرادته تعالى لا تتخلّف عن المراد .
وهو مدفوعٌ أيضاً بأنّ متعلّق إرادته سواء كانت صفة أخرى غير العلم بالصلاح في مقام التغاير المفهوميّ في عالم الصفات أو كانت هي العلم بالصلاح ليس تحقّقَ الفعل من المكلّف على نحو الإطلاق ، بل هو الفعل الصادر من المكلّف باختياره ، فإن صدر منه بدون دخالة اختياره لا يكون صلاحاً ، وإن لم يفعل بسوء اختياره فقد فاتت منه المصلحة ، فليس الاشتمال على المصلحة بالنسبة إلى الفاعل بنحو الواجب المشروط ، فهو تعالى يريد منه صدور الفعل المقيّد بكونه باختياره بنحو يكون ذلك قيد الواجب ، ولكن تأثير إرادته تعالى من دون توسيط اختياره خلف ، إذ المفروض أنّ المعلول لإرادته تعالى - بما لها من المعنى - هو صدور الفعل بالاختيار من العبد .
وملخّص الكلام : أنّه إذا كانت إرادته تعالى تعلّقت بالمراد على النحو المذكور فيمكن أن يقال : إنّه لا مانع من تخلّفه عن الإرادة ، فإنّ ذلك لا يوجب نقصاً في البارئ تعالى ، فإنّ التخلّف من عدم قابليّة المعلول ، لا من جهة نقصان في العلّة ، كما في عدم تعلّق قدرته تعالى بالمحالات من باب النقص في القابل ، من دون أن يكون قصور في جانب الفاعل تعالى عنه علوّاً كبيراً .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : ص 85 و 86 . ( 2 ) آنفاً .