شرح
هذا ما سنح بالبال في هذا المقال من دون الجزم بما يرجع إلى الواجب المتعالي .
ومنها : أنّ مقتضى المراجعة إلى كلمات الحكماء والمتكلّمين أنّه ليست الإرادة في مقام التشريع إلّا العلم بالصلاح في فعل العبد أو تركه ، فإنّهم بين من ينكر وجود صفة غير العلم المذكور مطلقاً وبين من يقول بذلك لكن من باب ابتهاج الواجب تعالى بذاته المستلزم للابتهاج بآثاره ، كما في تعليقة المحقّق الأصفهانيّ على الكفاية ( 1 ) . ولا ريب أنّ ذلك لا يقتضي إلّا تصوير الإرادة التكوينيّة الموجودة في صورة العصيان أيضاً إن قلنا بها في مطلق الآثار ولو كانت بواسطة اختيار المكلّف ، وهذا غير الإرادة التشريعيّة الّتي تقتضي الإطاعة مطلقاً حتّى بالنسبة إلى العصاة . هذا ما قلناه سابقاً في الدرس .
ولكن يمكن أن يقال ( بناءً على ثبوت الإرادة بالنسبة إلى الآثار من جهة الابتهاج بالذات ولو كانت الآثار بتوسيط الاختيار الّذي هو أيضاً من آثاره تعالى ) - وأعوذ به تعالى من الجزم - بثبوت ذلك بالنسبة إلى الإطاعة بنحو الإطلاق ، فإنّها من آثاره تعالى ، ولكن لا يقتضي تعلّقه التحقّق ، من دون نقص في المفيض بل في القابل ، وأمّا الابتهاج بما يكون معصية - مثلًا - فليس فيه تعالى بنحو الإطلاق ، فإنّ مقتضى الحكمة الابتهاج إلى أن يكون العبد مختاراً بأن يختار الإطاعة ، وإن لم يختر ذلك فإنّ الابتهاج إلى أصل الاختيار أيضاً موجود ، وإلّا لسلب الاختيار عن العبد ، فتأمّل فإنّه لا يخلو عن الدقّة والقوّة ، وبيده الحول والقوّة .
ومنها : أنّه كما قلنا بأنّه لا مانع من تخلّف الإرادة عن المراد في تكليف العصاة من جهة عدم لزوم نقص في الأوّل تعالى كذلك لا مانع من وقوع شيء في الخارج من دون أن تكون العلّة التامّة إرادته تعالى لذلك ، ومنشأ الأمرين ما تقدّم ذكره ( 2 ) من إمكان تعلّق إرادته تعالى بشيء وهو فعل العباد بشرط صدوره باختيار منهم بمعنى دخالة العباد في التأثير ؛ فاللَّه تعالى - وهو العالم - بناءً على ما يتصوّر يريد من العباد كلّ فعل يختارون إذا اختاروا ذلك ، من غير فرق بين الواجبات والمحرّمات والمكروهات والمستحبّات والمباحات ، وتلك الإرادة لا تقتضي العلّيّة التامّة للفعل ، لأنّ الفرض أنّ المعلول هو الفعل الصادر بتأثير من العباد ، فالعلّيّة التامّة بالنسبة إلى المعلول الّذي صفته ذلك خلف محض ، فالمبنى المذكور كما يكون حلًاّ لوجود الإرادة في العصاة يكون حلًاّ لشبهة الجبر من ناحية كون إرادته تعالى علّة تامّة لجميع الموجودات الخارجيّة الّتي منها أفعال العباد .
فشبهة الجبر من « ناحية انتهاء جميع الموجودات إلى الإرادة الأزليّة من جهة كونه تعالى هو العلّة التامّة » مندفعة .
وملخّص الاندفاع أنّ المعلول إذا كان شيئاً مقيّداً بتأثير العبد الّذي جميع شؤونه راجعة إليه فكون الإرادة علّة تامّة خلفٌ .
وهنا شبهتان اخريان ربما توجبان تشويش البال :
إحداهما : انتهاء كلّ ممكن إلى الواجب .
هامش
1 ) نهاية الدراية : ج 1 ص 279 . ( 2 ) في الصفحة السابقة .