تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
الواحد لا يمكن أن يكون وجهاً للمعنيين - فلا بدّ أن يمتنع حكاية المعنى الواحد عن معاني كثيرة كما في العامّ الاستغراقيّ ، فإنّ مفهوم العامّ معنىً واحدٌ متحقّقٌ في الذهن ويكون وجهاً ومرآةً لجميع الأفراد والخصوصيّات ، بل قد تكون الأفراد الّتي لوحظت بتوسيط المعنى الواحد غير متناهية ، فيلزم فناء الواحد في غير المتناهي ، فكما أنّه ليس الفناء والحكاية في العامّ بنحو الحقيقة بل إنّما هو في مقام اللحاظ كذا في مقام الاستعمال ليس الفناء حقيقيّاً . ورابعاً : أنّ مقتضى البرهان المزبور امتناع استعمال اللفظ في الملحوظين المتحقّقين في الذهن موصوفاً بوصف الاجتماع أو الاثنينيّة ، إذ لا يخرج الملحوظان بعروض وصف الاثنينيّة ولحاظهما بذاك العنوان عن كونهما موجودين في الذهن ، فيلزم من إفناء اللفظ الواحد إفناء الواحد في المتعدّد بوصف الاجتماع . وخامساً : أنّه لو فرض الامتناع في ما كان الملحوظ في الذهن معنيين فلا وجه للامتناع في ما كان الملحوظ في الذهن أمراً واحداً جعل مرآةً للمعاني العديدة ، كأن يكون الملحوظ في الذهن المسمّى بالعين وجعل العنوان المذكور مرآةً لكلّ ما يسمّى بذلك واستعمل اللفظ بتوسيط المفهوم المذكور في جميع المعاني الواقعيّة للفظ العين بخصوصيّاتها ، وذلك نظير الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ ( 1 ) .
شرح
( 1 ) أقول : أساس توهّم الامتناع كون الفناء واقعاً في الذهن بين اللفظ والمعنى ، وكون ذلك فيه هو الاتّحاد الحقيقيّ ، وحينئذٍ يلزم أحد المحذورين : إمّا كون الشيء الواحد متعدّداً أو تعلّق الوجود الذهنيّ بلفظ واحد من حيثيّة واحدة بنحو التعدّد ، وكلاهما محال . والعمدة في الجواب : أنّ الفناء في الذهن ليس إلّا على نحو الاعتبار والتنزيل ولا يكون حقيقيّاً . والّذي يدلّ على اعتباريّة الفناء لا كونه حقيقيّاً أمور : الأوّل : عدم حمل أحدهما على الآخر في الذهن حقيقة . الثاني : أنّ الاتّحاد الحقيقيّ بين المتحصّلين في الوجود محال ، للزوم اجتماع المثلين أو الضدّين ؛ والاتّحاد بين الوجود والماهيّة ، وهما زيد والعالم الّذي أحدهما متحصّل في الوجود والآخر غيره . الثالث : أنّ الإفناء الّذي في المقام ليس إلّا بملاك الجعل والمواضعة ، وهو لا يقتضي إلّا الإفناء الجعليّ كما هو واضح . الرابع : أنّ متعلّق الإفناء هو الوجود الذهنيّ الحاكي عن الوجود الخارجيّ ، والإفناء بالنسبة إلى المحكيّ