وثالثاً : أنّه لو كان الاستعمال في المعنيين بنحو الاستقلال محالًا - بملاك أنّ اللفظ
شرح
ثانيهما : أنّ الحكاية عن النازل بالإلقاء إنّما هي بلحاظ ذات اللفظ مجرّداً عن الاستنادين - أي الاستناد إلى نفسه والاستناد إليه تعالى من دون ملاحظة المعنى - والاستعمال يقتضي ملاحظة اللفظ فانياً في المعنى ، فلا بدّ من تعلّق اللحاظ العبوريّ من حيث الاستعمال وعدم كونه عبوريّاً من حيث الإلقاء ؛ فاللحاظ الواحد كيف يمكن ! أن يكون فانياً في المعنى وغير فانٍ فيه ، بل كان ملحوظاً بنفسه .
والجواب يظهر بعد بيان أمور :
منها : أنّه ليس المراد من اللحاظ العبوريّ المقوّم للاستعمال هو عبور اللحاظ عن اللفظ إلى المعنى بحيث لم يكن اللفظ ملحوظاً فعلًا ، بل هو ملحوظ فعلًا بما أنّه وجود تنزيليّ للمعنى .
ومنها : أنّه ليس المراد من ملاحظة اللفظ في مقام الإلقاء لحاظه بوصف عدم العبور عنه إلى المعنى ، بل من حيث الإلقاء لا يحتاج إلى اللحاظ العبوريّ الّذي ليس - كما عرفت - إلّا التنزيل . كيف ! ونفس اللحاظ العبوريّ - وهو ملاحظة الوجود التنزيليّ - من آثار نفس اللفظ ، ولو كان اللحاظ العبوريّ بهذا المعنى موجباً لعدم ملاحظة آثار نفس اللفظ يلزم من اللحاظ العبوريّ عدمه .
ومنها : أنّه ليس اللحاظ العبوريّ موجباً لحصول الغفلة بالنسبة إلى اللفظ كي لا يمكن ترتيب آثار نفس اللفظ ، لما تقدّم من لزوم عدم اللحاظ العبوريّ ولزوم عدم إمكان ملاحظة صحّة الكلام وفصاحته وخلوّه عن اللحن والتعقيد والركاكة .
وبعد ذلك يظهر أنّ اللفظ في المفروض ملحوظ باللحاظ العبوريّ بالمعنى المتقدّم ، ومع فرض ذلك اللحاظ لا إشكال في لحاظ آثار نفس اللفظ الّتي لا يشترط فيها العبور ولا يكون اللحاظ العبوريّ مانعاً عنه ، فلا مانع من أن يقال : « قال الأنبياء عليهم السلام وأقول : إنّ اللَّه تعالى واحد » أو يقال : « قال زيد وأقول : عند عمرو عين » وكان المقصود مختلفاً . وجواز ذلك الأخير - بناءً على ما أوضحناه - ليس مبنيّاً على جواز استعمال اللفظ الواحد في المعنيين ، لأنّه ليس من قبيل الاستعمال في المعنيين ، بل هو جمع بين الإلقاء والاستعمال .
وممّا ذكرنا يظهر جواز الجمع في استعمال واحد بين الكناية ونفس المفاد ، فيقال : « زيد وعمرو كثير الرماد » بأن يكون المقصود بالنسبة إلى أحدهما الإخبار عن الجود وبالنسبة إلى الآخر هو الإخبار عن كثرة رماده حقيقة . ولعلّ منه « رفع ما لا يعلمون » من جهة الشمول لرفع الحكم ، فإنّ المرفوع نفس الحكم بمرتبته الفعليّة ، ورفعِ الموضوع ، فإنّ رفعه كناية عن عدم الأثر ، فهو بمنزلة المرفوع . وكذا قوله عليه السلام : « لا صلاة إلّا بأذان وإقامة » ( 1 ) فإنّه يمكن أن يكون النفي بالنسبة إلى الأذان ادّعائيّاً كناية عن عدم الاعتناء بتلك الصلاة مع كونها صحيحة وبالنسبة إلى الإقامة يكون حقيقيّاً . والمناقشة في بعض ذلك غير مضرّ بما هو المقصود من إثبات أصل كلّيّ من جهة المسألة الاصوليّة وهو إمكان الجمع في لحاظ واحد بين ما هو مقصود بالذات وما هو مقصود لجهة أخرى . واللَّه المتعالي هو العالم وهو المنعم الملهم .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 81 ص 130 عن العلل .