هامش
كما أن الحمل على رفع لافعل المجهول بعنوانه ، وهو كونه محرّما ، كان الفعل كليّا ومنشأ الجهل بعنوانه فقد النصّ ، أو جزئيّا ومنشأ الجهل عدم العلم بانطباق موضوع الحرمة عليه ، يرجع إلى ما ذكرناه من رفع المجهول بعنوانه وقد مرّ ما فيه . تعميم الجهل للمجهول عنوانه الذاتي والعرضي والجواب عنه ومثله جعل الجهل أعمّ ممّا جهل عنوانه الذاتي كالخمريّة ، أو العرضي كالحرمة ؛ فإنّ الرفع يعيّن المرفوع ، وأنّه الحكم برفع المجهول بعنوانه أو حكمه ، فما هو الثقيل - وهو الإلزام - مرفوع في الصورتين .
وقد مرّ : أنّ منشأ الثقل هو الإلزام ، وأمّا الفعل ، فلا يكون ثقيلا إلّا بلحاظ التكليف ، فإنّ أي ثقيل ، لا تحميل فيه مع عدم التكليف ، أو مع التكليف بالترك أو الإباحة ، فالثقل للإلزام أو بعضه المتعيّن بالامتنان أو الاجلال ، لا كلّ إلزام ، كما إذا قيل : « افعل ما تشتهيه ، واترك ما تنفّر عنه » ، فلا ثقل في مثل ذلك ، فما هو الثقيل الخاصّ المناسب رفعه للامتنان إذا كان مجهولا بلا واسطة أو بواسطة الجهل بالعنوان الّذي هو موضوع هذا الأمر الثقيل ، فهو مرفوع ظاهرا ، فلا عقاب قطعا ، أو جعلا ظاهريّا . ويمكن أن يقال : إنّه بناء على إرادة الموصول « في ما لا يعلمون » في قبال المصدرية ، إنّ وضع الفعل من الشارع الإلزام به بالايجاب ؛ كما أنّ وضع الترك منه الإلزام به بالتحريم ، والرفع بديله في كلّ منهما ، ولا بدّ من ربط بين الجهل والوضع والرفع ، ولا يكون إلّا بإرادة رفع الشارع الفعل الّذي لا يعلم وضعه ، أو الترك الذي لا يعلم وضعه ، فما لا يعلم وضعه مرفوع رفعا مناسبا للامتنان ، كان عدم العلم بالوضع لعدم العلم بعنوان الفعل ، أو لفقد النصّ مثلا ، فيندرج فيه الشبهة الموضوعيّة والحكميّة مع إرادة الموصولة . فإن رجع التعميم للمجهول إلى ما كان مجهولا بنفسه ، وما كان مجهولا بحكمه ، من التوصيف بحال النفس أو المتعلّق بقرينة على التعميم المذكور بحسب ما مرّ ، فهو وفاق ، وإلّا فغير مقبول ؛ فإنّ إسناد الجهل إلى الفعل وجهين في فردين منه على خلاف الظهور ، لا يصار إليه إلّا بقرينة .
لا مانع من تحليل إسناد واحد إلى إسنادات مختلفة مع القرينة كما أنّ جعل المرفوع المجهول ، عامّا للفعل وللحكم المجهولين ، فيختلف إسناد الجهل والرفع ، فيكون إسناد الرفع للموضوع إلى غير ما هو له ، لأنّ المرفوع حكمه الوارد عليه ، وإلى الحكم المرفوع بنفسه إلى ما هو له ، كما أنّ الفعل مجهول عنوانه ، والحكم مجهول نفسه ؛ فاللازم الجمع بين الإسنادين إلى ما هو له وإلى غير ما هو له من حيث الخصوصيّتين المفردتين المختلفتين ، ولا مانع منه إذا كان بقرينة تتعيّن بالرفع الكلامي والامتنان المقامي ، فيكون - بحسب القرينة - هذا الإسناد الواحد الكلامي متّصفا بأحد الوصفين المتقابلين ، باعتبار إحدى الخصوصيّتين الحقيقيّتين ، وبالآخرة ، باعتبار خصوصيّة أخرى ؛ ففي الحقيقة إسنادات مجتمعة بحسب انحلال الطبيعي إلى أفراده ، فينحلّ الحكم إلى أحكام حسب انحلال موضوعه إلى أحكام ، ولكلّ حكم انحلالي صفة خاصّة ، واجتماعهما في واحد عمومي لا يرجع إلى اجتماع المتقابلين في حقيقة واحدة ، لا في خصوص « ما لا يعلمون » المسند إليه الرفع تفصيلا ، ولا في التسعة المسند إليها الرفع أوّلا إجمالا . ومنه يظهر الجواب عن الإشكال على هذا الأمر المعقول بمخالفة الظهور التي يسوّغها القرائن التي تقدّمت الإشارة إليها . ويمكن أن يقال : إنّ إرادة الفعل من « ما لا يعلمون » تحفّظا على السياق المتقدّم يفيد الرفع في الشبهة