وأنّ مقابلة الجمع بالجمع تقتضي مقابلة فرد بكلّ فرد ، فكأنه قال : « لولا نفر زيد ليتفقّه لينذر عمروا ليحذر » . وكلمة « لعل » بمنزلة « اللام » في « لينذروا » ، وهكذا في غير « زيد » من الأفراد . ولا معنى للزوم الاجتماع في التفقّه ، ولا في التعليم ، ولا في الحذر الذي هو التقوى ، بل لا محلّ له مع تفرّق الفقهاء والمنذرين في البلاد .
وتقييد مثل هذا الكلام بصورة إفادة العلم بأمور أخر غير ما هو لازم إنذار « زيد » ممّا لا ينبغي احتماله ، بعد أن كان الدالّ تقريرا لهذا العمل المترتّب بعضه على بعض ، مع كون هذا الترتّب بماله من الخصوصيّة تقريرا لا تأسيسا ، فيرتفع جميع الشكّ فيه بملاحظة طريقة العقلاء .
والمظنون قويّا في أمثال هذا التعبير ، كقوله تعالى :
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
« 1 »
لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
« 2 » ، أنّها إنّما نشأت من اختياريّة الفعل بعد تمام الحجّة ؛ وأنّ شيئا من الطاعة والمعصية ، ليس إلجائيّا من اللّه تعالى ، وإنّما الصادر منه تعالى بعد إقامة الحجّة ، الترغيب والتوفيق لأهله ، ما في اختلاف فاعل الحذر مع فاعل النفر والتفقّه والإنذار من المغايرة المحسّنة لتغيير الأسلوب في المجيء ب « لعلّ » بدل « اللام » ما لا يخفى .
بل يمكن أن يقال : إنّ سنخ مطلوبيّة التفقّه والإنذار مماثل لسنخ مطلوبيّة التحذّر ؛ فالتحذر في غير الإلزاميّات مطلوب استحبابي ؛ فتعليم المستحبّات ، كذلك ، فتعلّمها كذلك ؛ كما أنّ الإلزام على العامل يقتضي الإلزام كفاية على المتعلّم وعلى المعلّم .
فلا حاجة إلى دعوى لغويّة وجوب الإنذار لو لم يجب التحذّر ، بل لا مناسبة
هامش
( 1 ) البقرة : 187
( 2 ) الأنبياء : 31