تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهداية في شرح الكفاية — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
المعلوم ان طباع الحيوانات مختلفة الاقتضاء بحسب الآثار فطبيعة العقرب اللسع وطبيعة الكلب والخنزير النهش وهكذا وهذه الحيوانات تجرى على هذه الاقتضاءات ما لم يمنعها مانع من خارج وليس لها من نفسها مانع فهي وان كانت بحسب بادئ الرأي غير مقسورة على حركاتها إلّا انها تشبه المقسور لقضية ما عليه الطبيعة وعدم الرادع من النفس وعدم الاقدام بالترجيح لجانب على جانب واما طباع الانسان فهي وان كانت بحسب الاقتضاءات الذاتية كسائر تلك الحيوانات إلّا ان مفيض الخيرات أفاض عليها نور العقل فصارت به تبصر وتميز الجيد من الردى والنور من الظلمة والصلاح من الفساد والخير من الشر والرشد من الغى ولما لم يكن الانسان بماهيته عارفا بالحقايق خبيرا بما عليه الافعال في نفس الامر جاءته الدلالة والهداية وعرف بلسان الوجوب والاستحباب كل ذي مصلحة وبلسان التحريم والكراهة كل ذي مفسده وبلسان إباحة الطرفين كل متساوي الجهتين بعد ان أفاض عليه الوجود بعميم الفضل وجعله قادرا مختارا على أن يفعل وان لا يفعل وبعد ان أكرمه بنور العقل فهو جل شأنه بوجوده أفاض عليه الوجود وبقدرته أفاض عليه القدرة وباختياره أفاض عليه الاختيار وهكذا ثم هداه السبيل فاما شاكرا واما كفورا فإذا هم العبد بالمخالفة فلا بد له من تصور الفعل الذي هم بفعله له وقد يخطر في باله بلا اختيار وبعد تصور الفعل لا بد من حصول الشوق اليه ثم بعد الشوق كان له فعلا اختيار أحد الطرفين ولم يخرج عن كونه مختارا فان كانت نفسه امارة بالسوء فقد جعل اللّه تعالى في قبالها العقل مانعا عما تقتضيه بحسب مادتها لو التجأ اليه الفاعل وهذا هو معنى ما ورد من أن اللّه تعالى خلق العقل وقال له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر ثم قال له بك أثيب وبك أعاقب فإذا وصل إلى درجة الدخول في مقدمات الفعل فالامر يعد موكول اليه وهو المختار بالوجدان فان شاء اتبع نفسه ولم يعمل عقله فإذا فقد المانع اثر المقتضى في الجملة اثره وان اعمل عقله منعه عن اتباع نفسه فهو على هذه الحال حتى يشرف على بلوغ آخر درجات علة الفعل التي ليس ورائها الا ترتبه الذي ليس اليه لان مانعة امر خارج عنه فإن كان هذا العبد اهلا للطف الباري به شاء عدمه وحال بينه وبين الفعل ولم يعمل المقتضى