ومن ( 1 ) ذلك يظهر إنّ الدوام والاستمرار إنما يكون في النهي إذا كان متعلّقه طبيعة مطلقة [ واحدة ] غير مقيدة بزمان أو حال فإنّه حينئذٍ لا يكاد يكون مثل هذه الطبيعة معدومة إلّا بعدم جميع أفرادها الدفعية والتدريجية ، وبالجملة ( 2 ) قضية النهي ليس إلّا ترك تلك الطبيعة التي تكون متعلقة له كانت مقيدة أو مطلقة وقضية تركهما عقلًا إنّما هو ترك جميع أفرادها ، ثم إنّه ( 3 ) لا دلالة للنهي على إرادة الترك لو خولف أو عدم إرادته بل لا بد في تعيين ذلك من دلالة ولو كان إطلاق المتعلق من هذه الجهة ولا يكفي إطلاقها من سائر الجهات فتدبّر جيداً .
شرح
( 1 ) بعد ما ثبت دلالة النهي على ترك الطبيعة المستلزم للدوام والاستمرار إذ لا يتحقق ذلك إلّا بإعدام جميع الأفراد التدريجية والدفعية .
( 2 ) إنّ ما ذكر من لزوم إعدام جميع الأفراد يتبع مقدار دائرة متعلّق النهي إذ قد يكون مطلقاً وغير مقيد بقيد مثل لا تشرب الخمر ، وقد يكون المتعلق مقيداً بزمان مثل : لا تأكل الثوم يوم الجمعة ، وقد يكون مقيداً مثل : لا تأكل الحامض وأنت مريض ، وقد يكون مقيداً بمكان مثل : لا تبع في المسجد فالمطلوب بالنهي هو إعدام أفراد ما أريد من المتعلق .
( 3 ) هذه الجهة الرابعة من الكلام هي : إنّه إذا خالف المكلف النهي وارتكب المنهي عنه هل يجب عليه بعده الاستمرار على الترك فلا يجوز له المخالفة ثانياً ؟
أم لا يجب عليه ذلك لسقوط النهي بالمخالفة ، فيه خلاف ومبنى الخلاف هو الاختلاف في أنّ مفاد الصيغة هل على نحو الشمولية وبنحو العموم الاستغراقي فلو قيل : لا تضرب أحداً تنحلّ هذه القضية إلى قضايا متعددة حسب أفراد الخلائق ، فهو بمنزلة قوله : لا تضرب زيداً ، لا تضرب عمرواً . . . وهكذا ؟ أو إنّه على نحو البدلية وبنحو العموم المجموعي ( بمعنى إنّه لا يوجد إلّا نهي واحد ) ،