فليس ناظرا إلى كون الألفاظ من موضوعة للمعاني بما هي إرادة [ مرادة ] كما توهّمه بعض الأفاضل ، بل ناظر إلى أنّ ( 1 ) دلالة الألفاظ على معانيها بالدلالة التصديقية أي دلالتها على كونها مرادة للافظها تتبع إرادتها منها وتتفرّع عليها تبعية مقام الإثبات للثبوت ( 2 ) وتفرّع الكشف على الواقع المكشوف فأنّه لولا الثبوت في الواقع لما كان للإثبات والكشف والدلالة مجال ،
شرح
( 1 ) هذا دفع التوهم وتوجيه كلام العلمين وحاصله هو : إنّ المتكلم إذا تكلّم بكلام يكون لكلامه دلالتان إحداهما : الدلالة التصورية وهي خطور المعاني الأفرادية من الألفاظ الحاصل بمجرّد السماع منه ، قهرا إذا كان المستمع عالما بالوضع وإن كان المتكلم هازلا أو نائما ، وثانيهما : الدلالة التصديقية وهي :
دلالة الجملة التركيبية على أنّ للمتكلم إذعان بثبوت النسبة الخبرية في إخباره بمجيء زيد وأنّه أراد الإخبار بذلك ، أمّا الدلالة الأولى ، فلا تتوقف على القصد بل تحصل حتّى إذا كان المتكلم نائما أو سكرانا ، وأمّا الثانية فأنّها تتوقف على قصد المتكلم وإرادته لمضمون الكلام ولولاه لم تتحقق تلك الدلالة ، فلا بدّ من أن يحرز السامع إنّ المتكلم كان بصدد الإفادة وبيان مراده وكان قاصدا لظاهر كلامه حتّى يكون حجّة له على الخصم ، وإذا لم يحرزه السامع فلم تحصل له تلك الدلالة وإن حصلت الدلالة الأولى لمفردات كلامه ، والمبحوث عنه هنا هو الدلالة التصورية لا التصديقية .
( 2 ) أي : إنّ تبعية الدلالة عند السامع لإرادة المتكلم بالتصديق تكون من باب تبعية مقام الإثبات والإحراز للثبوت والواقع ومن باب تبعية الكشف والظهور للواقع المكشوف ، إذ لو لم يكن للمدلول في الواقع ثبوت لما حصلت تلك الدلالة لدى السامع .