شرح
إلى تحقق شيء في الخارج ( بفعلنا أو بفعل غيرنا ) لا نجد في نفوسنا إلّا صفة واحدة لا صفتان على ما يدّعيه الأشاعرة ، إحداهما تسمّى بالإرادة والثانية بالطلب ، فالّذي نجده في النفس هي الإرادة أو الطلب التي هي عند بعضهم :
العلم بالصلاح وعند المعظم هي : الشوق المؤكّد وعند المحقّق النائيني رحمه اللّه : حملة النفس ، إلّا أنّك عرفت وجود الفرق بين الطلب والإرادة بحسب ما هو المرتكز في الأذهان ، فما ذكره من عدم وجود صفتين في النفس صحيح بالوجدان إلّا أنّ ذلك لا يقتضي اتحاد الطلب والإرادة .
وليعلم : أنّ الّذي ألجأ الأشاعرة الالتزام بتغاير الطلب مع الإرادة هو : إنّ من أفعال الباري عزّ وجل التكلّم ومن صفاته الحسنى ( المتكلّم ) ، والّذي يسأل عنه أنّه : كيف يمكن أن يكون من صفاته المتكلّم مع أنّ صفاته تعالى لا بدّ أن تكون قديمة كما إنّ ذاته أيضا قديم والتكلّم من الأمور الغير القارّة التي توجد وتنصرم ؟ فلا بقاء وتقرّر له فضلا عن كونه قديما ، مضافا إلى أنّ المعتبر في صدق المشتق على الذات قيام المبدأ بالذّات ولهذا لا يقال لمن أوجد الحركة في جسم : أنّه متحرّك بل المتحرك هو ذلك الجسم ، فمن أوجد الكلام في جسم آخر لا يقال : أنّه متكلّم بل المتكلّم هو ذلك الشيء ، فلا بدّ من أن يكون المراد من الكلام الذي من صفاته سبحانه شيئا يمكن قيامه ، ولهذا التزموا إنّا بأنّ : المراد من الكلام حقيقة شيء قائم بالنفس غير العلم والإرادة والكراهة يعبّر عنه في الأخبار بالكلام النفسي وفي الإنشاء بالطلب ، وهذه الصفة موجودة في النفس قبل حدوث الكلام اللفظي الّذي يعبّر عنه بالكلام الحسّي ، والكلام النفسي عنده تعالى قديم كذاته . وهذا من أقدم الأبحاث الكلامية وقد تفرّع عليه سلسلة من الأبحاث الاعتقادية ولعلّه لأجله سمّي العلم بالاعتقادات ، وهذا ممّا لا نتعقّله بل لا يبعد أن يكونوا هم أيضا لا يتعقّلونه ، وإنّما التزموا به لأجل