ويشهد لما ذكرنا انه مع التمكن من الرجوع إلى الطبيب الحاذق المتخصص لا يرجع العرف العام إلى غيره ، بل يتحملون المشاق في تحصيله ، وربما يسافرون إلى الأماكن البعيدة لتحصيله بما يستلزم صرف الطاقة والمادة كثيرا .
ولعمري هذا واضح لا يحتاج إلى إقامة البرهان والنقض والإبرام .
الثالث : قد عرفت ان وجوب تقليد الأعلم انما يتأتى عند العلم بوجود الأعلم والتفطن اليه تفصيلا أو اجمالا ، بحيث لو لاه لما كان لوجوب تقليد الأعلم معنى لدى المتفطن ، وكذلك لا معنى لوجوب ذلك الّا عند العلم بالاختلاف في الفتوى تفصيلا أو اجمالا ، وعمدة ما دفعهم إلى ذلك قصور الأدلة عن شمول الفتويين المتعارضين ، فيلزم الرجوع إلى المرجح وهو الأعلمية ، سيما والفحص واجب عقلي ارشادي لتحصيل ما هو الواجب بحكم الشرع والعقل وهو تقليد الأعلم ، فيكون قيد العلم بالأعلم والعلم باختلاف الفتوى توضيحي .
كما انّ التقييد بالمسائل المبتلى بها عند الاختلاف في الفتوى أيضا توضيحي ، إذ لا معنى لانتفاء تقليد الأعلم في المسائل التي ليست محلّ ابتلاء المكلّف الّا من باب السالبة بانتفاء الموضوع .
وربما يعلّل كون القيد توضيحيا بأنه لا معنى لانتفاء تقليد الأعلم مع مخالفته لغير الأعلم في المسائل التي ليست محل الابتلاء للمقلد الّا على القول بوجوب تقليد الأعلم تعبدا ، ولم يوجد قائل به .
وإذا عرفت ما ذكرناه اتضح انه عند التوافق في الفتوى لا يتعين تقليد الأعلم بل يتخير العامي بينه وبين غيره ما لم يعمل بالاحتياط . فمنشأ حدوث بحث وجوب تقليد الأعلم وعدمه وما هو من آثاره ولوازمه من الفحص انما هو الاختلاف في الفتوى ، فالكلام في الحقيقة يدور مداره .
منتهى العناية في شرح الكفاية — صفحة 456
مساهمون: السيد محمد الفيروز آبادي النجفي
ص٤٥٦