وامّا العلوم التي لا دخل لها في الاستنباط كعلم الهندسة والحساب فلا دخل لها من حيث نفسها في الترجيح .
وقد تتحقق الأفضلية في الفقه باعتبار قوة الحفظ أو الذكاء أو كثرة التأمل أو كثرة الاطلاع وسعة الباع في الفكر والتصرف أو اعتدال السليقة أو زيادة التحقيق أو التدقيق أو أقدمية الاشتغال ومزية الاستئناس وقد يتحقق التعارض بين هذه الوجوه والتحقيق انّ المرجع في ذلك كله إلى ما يعد صاحبه أفقه عرفا وضبطه على وجه يستغني معه من الرجوع اليه متعذر على الظاهر وكذلك الحال في الأورعية فإنها قد تطّرد في جميع الأحوال والأعمال وقد تختلف الأحوال والأعمال والمرجع إلى ما ذكرناه .
ولو قلد المفضول ثم وجد الأفضل ففي جواز العدول اليه بناء على المنع منه وجهان ، وكذا لو قلّد الأفضل ثم تسافل فصار مفضولا ، وثانيهما الأخبار الدالة على ترجيحه أي الأفضل مع المعارضة للمفضول فتوى كما في المقبولة أي مقبولة عمر بن حنظلة . وقد تعرّض إلى ذلك مختصر الفصول حيث قال : ويدلّ عليه « أي على عدم جواز تقليد المفضول » بعد الأصل ظاهر مقبولة عمر بن حنظلة الآتية في اختلاف الحاكمين فانّ فيها الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما حكم به الآخر ، فانّ ظاهرها عدم الاعتداد بحكم الآخر مطلقا فيدل على عدم جواز التعويل على فتواه ، امّا انها داخلة في اطلاق الحكم أو لعدم ثبوت قائل بالفرق بين الحكم والفتوى فيتم المنع فيها بالاجماع المركب . وانّ العدول عن الأفضل إلى المفضول عدول عن أقوى الإمارتين إلى أضعفهما وهو غير جائز ، وانّ من أدلّة جواز التقليد الاجماع والضرورة وهما لا ينهضان الا على جواز تقليد الأفضل .
منتهى العناية في شرح الكفاية — صفحة 318
مساهمون: السيد محمد الفيروز آبادي النجفي
ص٣١٨