الأخبار وإجماع الأصحاب على أن للّه تعالى في كل واقعة حكما يشترك فيه الكل يصيبه قوم ويخطيه آخرون لا أنّ له تعالى في كل واقعة أحكاما عديدة بعدد آراء المجتهدين ، لكل واحد منهم حكم يختص به ، وان كان مرادهم ان اللّه تبارك وتعالى ينشئ أحكاما واقعية بعدد آراء المجتهدين من بعد اجتهادهم على طبق ما أدى اليه ظنهم واستقر عليه رأيهم . فإن كان ذلك من دون أن يكون هناك حكم قبل الاجتهاد واقعا فهذا - مضافا إلى بطلانه لما تقدم من تواتر الأخبار واجماع الأصحاب - هو أمر غير معقول كما أشير آنفا . إذ لو لم يكن قبل اجتهاد المجتهد حكم واقعي ففيم يجتهد المجتهد وعمّ يتفحص المتفحص وعلام يستقر رأيه ويؤدي اليه ظنه وهذا واضح ظاهر .
ثم إن مرجع هذا النحو من التصويب هو إلى النحو الأول من السببية المتقدمة شرحها في بحث امكان التعبد بالأمارات غير العلمية غير أن السببية هناك كانت في قيام الأمارات وهاهنا تكون في اجتهاد المجتهد . وقد أشرنا هناك إلى عدم تعقل هذا النحو من السببية فتذكر .
وامّا إذا كان ذلك مع الاعتراف بأن هناك حكما واقعا من قبل الاجتهاد يشترك فيه الكل غير أنه لا يكون فعليا عند أداء الاجتهاد على خلافه ، وان الحكم الفعلي المنجز هو خصوص ما أنشأه اللّه تعالى على طبق الاجتهاد ، فهذا ليس تصويبا باطلا ولا هو أمر غير معقول بل تصويب جائز ثبوتا ، غير أنه لا دليل عليه اثباتا .
ومرجع هذا النحو من التصويب إلى النحو الثاني من السببية المتقدمة في امكان التعبد بالامارات . وقد أشار اليه المصنف هاهنا بقوله الآتي : الّا ان يراد التصويب بالنسبة إلى الحكم الفعلي وان المجتهد وان كان يتفحص عما هو الحكم واقعا وانشاء الّا ان ما أدى اليه اجتهاده هو حكمه الفعلي . . . الخ .
منتهى العناية في شرح الكفاية — صفحة 171
مساهمون: السيد محمد الفيروز آبادي النجفي
ص١٧١