أيضا ، وان كان العمدة التعرض للاختلاف بحسب الأزمنة . والظاهر أن ترك التعرض للمذكور من اختلاف المسائل والاشخاص من باب رعاية غاية الاختصار مما لا يكاد يحقق وينضج وينكشف المقصود الأصلي ويختار وجها في المسألة عادة لا بحسب الموهبة الإلهية كما في الأنبياء والأوصياء الّا بالرجوع إلى ما دوّن فيه أي في علم الأصول ويحتمل عود الضمير إلى المحقق والمختار بقرينة المقام لكونه أقرب ذكرا وهو الغرض الأصلي في باب الاجتهاد لا مطلق مسائل علم الأصول من الكتب الأصولية التي ألّفها الأصحاب وما ذكره واضح لا يحتاج إلى البسط والجدال حيث لا يعلوه أي غبار . والظاهر انّ كلمة ( من ) بيانية لجملة ( ما دوّن فيه ) كما لا يخفى .
ثم إنه ربما يتوهم شرطية علوم أخرى للاجتهاد وهو شيء من علم الفلك والحساب والهندسة ما نصّ بعضهم ، نعم لا يخفى ان الاجتهاد كما يحتاج إلى ما تقدم من النحو واللغة والتفسير في الجملة يحتاج أيضا إلى مقدار من علم الفلك لتحقق القبلة ، ومقدار من الحساب لمسائل الأرض ، ومقدار من الهندسة لتحديد الكر بالنسبة إلى الأحواض وما أشبهها من المخازن ونحوها كما لا يخفى .
وأنت خبير ان معرفة ما أفيد راجع إلى بعض الموضوعات من بعض الأبواب الفقهية لا ما هو شرط في الاجتهاد في الأحكام كالعلوم العربية المعتبر فيها المعرفة الكاملة والاجتهاد فيما يمسّ الحاجة إليها منها . قال المحقق العراقي في المقالات :
ثم إنّ القواعد المعمول بها لا بدّ أن تكون واقعة في طريق استنباط الأحكام الكلية .
وامّا الواقعة في طريق تطبيق الأحكام الكلية على مصاديقها - مثل قواعد الحساب والهندسة والهيئة وأمثالها - فهي غير مرتبطة بمرحلة الاجتهاد المعروف ، بل لا بأس برجوع المجتهد إلى العالم بها من باب الرجوع إلى أهل الخبرة .
منتهى العناية في شرح الكفاية — صفحة 150
مساهمون: السيد محمد الفيروز آبادي النجفي
ص١٥٠