ولكن يرد عليه : أن الأولويّة مطلقا ممنوعة ؛ بل ربما يكون العكس أولى ، كما يشهد به مقايسة فعل بعض المحرمات مع ترك بعض الواجبات ، خصوصا مثل : الصلاة وما يتلو تلوها ( 1 ) .
ولو سلّم ( 2 ) فهو أجنبي عن المقام ؛ فإنّه فيما إذا دار بين الواجب والحرام .
ولو سلّم ( 3 ) ، فإنّما يجدي فيما لو حصل به القطع .
شرح
( 1 ) أي : ما يتلو تلو الصلاة كالحج والصوم وغيرهما مما بني عليه الإسلام ، فإنّ مصلحة الصلاة مثلا أقوى من مفسدة النظر إلى الأجنبيّة .
( 2 ) هذا هو الوجه الثاني من الوجوه الّتي أوردها المصنف على المحقق القمي « قدس سره » .
وحاصل هذا الوجه الثاني : لو سلّمنا كلية قاعدة أولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة نمنع صغروية المقام لها ؛ بل هي أجنبية عن المقام ، وليس المقام من صغريات تلك الكبرى ، وذلك ، لأن موردها هو التخيير بعد عدم الأخذ بالترجيح ، مثل : ما لو دار الأمر بين وجوب شيء وحرمته بأن يكون هناك شيء واحد لا يعلم أنّه واجب أو حرام ؛ كما لو ترددت المرأة بين الأجنبية التي يحرم وطؤها وبين الزوجة رأس أربعة أشهر التي يجب وطؤها ، فإنّ ترك الوطء الذي فيه دفع مفسدة الزنا المحتمل أولى من الوطء الذي فيه جلب منفعة الوجوب المحتمل ، هذا مثال الشبهة الموضوعية .
وأما مثال الشبهة الحكمية : فكما لو ترددت صلاة الجمعة بين الوجوب والحرمة ، فإنّ الحكم فيها - بعد عدم إمكان ترجيح أحد الحكمين - هو التخيير ، هذا بخلاف المقام حيث قام الدليلان على الوجوب والحرمة ، وحكم العقل بامتناع الاجتماع ولم يعلم ترجيح أحدهما على الآخر من الخارج .
وكيف كان ؛ فلا موضوع حينئذ لتلك القاعدة إذ موضوعها وموردها هو : ما إذا دار أمر الفعل بين الواجب والحرام كصلاة الجمعة في عصر الغيبة ، فعند القائل بحرمتها فيها مفسدة ملزمة ، وعند القائل بوجوبها فيها مصلحة ملزمة ولا يتمكّن المكلف من دفع الأولى وجلب الثانية معا في مقام الامتثال ؛ لأنّه إمّا أنّ يفعلها فيجلب المصلحة ولا يدفع المفسدة ، وإمّا أن يتركها فيدفع المفسدة ولا يجلب المصلحة .
( 3 ) هذا إشارة إلى الوجه الثالث من الوجوه الّتي أوردها المصنف على المحقق القمي « قدس سره » وحاصله : أنّ هذه القاعدة بعد تسليمها إنّما تجدي فيما إذا حصل القطع بالأولويّة وذلك ممنوع ؛ لأنّ غاية ما يحصل من هذه القاعدة هو الظنّ بالأولويّة ، وذلك لا يجدي لأنّ الأصل عدم اعتباره ، فالأولويّة الظنيّة لا تجدي في الترجيح ؛ لأنّ المعتمد