شرح
تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد في متعلّقاتها ليس إلّا ترتّب المفسدة على فعل الحرام ، والمصلحة على فعل الواجب ، فلا مفسدة في ترك الواجب ، كما لا مصلحة في ترك الحرام .
نعم ؛ ترك الواجب يوجب فوات المصلحة التي يلزم استيفاؤها ؛ كما إذا كان في فعل الحرام مفسدة يحبب الاجتناب عن الوقوع فيها .
وعليه : فلا يدور الأمر في الواجب والحرام بين المفسدتين حتى يخرج ما نحن فيه عن قاعدة أولويّة دفع المفسدة من جلب المصلحة ؛ بل ما نحن فيه من صغريات تلك القاعدة .
والمتحصّل : أنه تكون في فعل الواجب مصلحة يلزم استيفاؤها من دون أن تكون في تركه مفسدة ، كما تكون في فعل الحرام مفسدة من دون أن تكون في تركه مصلحة ، فلا يتم ما أفاده المحقق القمي « قدس سره » من الإيراد .
والمصنف « قدس سره » بعد الجواب عن إيراد المحقق القمي أورد على المرجح الثاني بوجوه :
الأول : ما أشار إليه بقوله : « ولكن يرد عليه : أن الأولوية مطلقا ممنوعة » .
وحاصله : أنّ هذه الأولوية في جميع موارد دوران الأمر بين دفع المفسدة وبين جلب المنفعة ممنوعة ، فمرجع هذا الوجه : هو منع كلية الكبرى لعدم الدليل على أولويّة دفع المفسدة مطلقا من جلب المنفعة ، بعد وضوح : اختلاف المصالح والمفاسد الداعية إلى تشريع الأحكام قوّة وضعفا ؛ إذ ربّ واجب تكون مصلحته في غاية القوّة ، وحرام تكون مفسدته في كمال الضعف ، فلا شبهة حينئذ في تقدم الواجب على الحرام عند الدوران بينهما ، كما سيأتي .
والمراد من « مطلقا » أي : في جميع الموارد ؛ حتى في صورة أقوائيّة مصلحة الواجب - كالصلاة - من مفسدة الحرام كالنظر إلى الأجنبية ؛ بل الأولويّة المذكورة مختصّة بما إذا كانت المفسدة أقوى من المصلحة .
قوله : « كما يشهد به » أي : كما يشهد بكون العكس أولى مقايسة فعل بعض المحرمات - كالتصرف في مال الغير بدون إذنه - مع ترك بعض الواجبات كإنقاذ غريق ، أو إطفاء حريق ، فإن من المعلوم : أقوائية مصلحة هذين الواجبين من مفسدة الغصب .