وأما بحسب مقام الدلالة والإثبات : فالروايتان الدالتان على الحكمين متعارضتان ، إذا أحرز أن المناط من قبيل الثاني ، فلا بدّ من عمل المعارضة حينئذ بينهما من الترجيح
شرح
وكيف كان ؛ فما ذكر من اعتبار وجود الملاكين في مسألة الاجتماع دون التعارض :
هو الفرق بينهما بحسب مقام الثبوت عند العدلية ؛ القائلين بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد . هذا تمام الكلام في مقام الثبوت .
أما الكلام في مقام الإثبات فقد أشار إليه بقوله : « وأما بحسب مقام الدلالة والإثبات . . . » إلخ .
وتوضيح الفرق بين التزاحم والتعارض في مقام الإثبات يتوقف على مقدمة وهي أنه :
« تارة : » يحرز أن المناط من قبيل الثاني ؛ بمعنى : أن أحد المناطين بلا تعيين موجود في المجمع دون الآخر .
و « أخرى : » يحرز أن المناط من قبيل الأول ؛ بمعنى : أن كلا من المناطين موجود في المجمع .
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم : أن الدليلين الدالين على الحكمين متعارضان بالنسبة إلى المجمع في الصورة الأولى - وهي إحراز أحد المناطين - بلا فرق بين الجواز والامتناع ، فلا بدّ من عمل المعارضة حينئذ بينهما من الترجيح أو التخيير .
هذا بخلاف الصورة الثانية ؛ فيكون الدليلان فيها متزاحمان بالنسبة إلى المجمع ، فربما كان الترجيح مع ما هو أقوى مناطا ؛ وإن كان أضعف دليلا .
ولكن التزاحم إنما هو على الامتناع ، وإلّا فعلى الجواز لا تعارض ولا تزاحم أصلا ؛ لعدم التنافي بينهما باعتقاد المجوّز .
وهناك صورة ثالثة وهي : ما إذا أحرز أنه لا مناط في المجمع أصلا ، فالدليلان حينئذ ليسا بمتعارضين ، ولا بمتزاحمين ؛ لا على الجواز ولا على الامتناع . إلّا إن عبارة المصنف - في مقام الإثبات - قاصرة جدا عن إفادة المراد ، فإن العبارة لم تستقص جميع صور مقام الإثبات . فتدبر .
وكيف كان ؛ فإن علاج الدليلين الدالين على الحكمين - الدائر أمرهما بين التزاحم ، والتعارض - يكون بإعمال قاعدة التزاحم ؛ وهي : الترجيح بقوّة المناط إن أحرز كونه من التزاحم ، وبإعمال قواعد التعارض ؛ وهي : الترجيح بالمرجحات المقررة للمتعارضين إن أحرز كونه من التعارض .
وأما إثبات كون المناط من أي القبيلين ، وطريقة معرفته : فالمتكفل له الأمر التاسع ، فالمائز بين الأمر التاسع وهذا الأمر هو : أن هذا الأمر متكفل لمقام الثبوت ، وأن هناك