العصور والأمصار ، وتناقلوها خلال القرون والأقطار من دون ان يلتفت أحد إلى هذه الخاصيّة إلّا الخاصة من الخاصة .
ومن هذا القبيل أيضا ما تعرض له فقهاؤنا الأقدمين في كتبهم الاستدلالية من إشارات إجمالية إلى مستند الفتاوى ، إذ يذكرون مختارهم الفقهي مع من وافقهم من أئمة الجمهور ومن خالفهم ثم يسردون دليلهم بعنوان : وقد وردت فيه النصوص ، أو بمقتضى الروايات الواردة ، أو قام الدليل القطعي عليه ، مع ضمّ الإجماع أو اتفاق العلماء إلى ذلك ، وهم يقصدون بدعواهم للإجماع وما شابهه بيان ما هو المشهور بين أعلام الطائفة الذين أسّسوا فتاواهم على روايات أئمة الهدى عليهم السلام ، ولا يسعهم التصريح بذلك .
وطورا نجدهم يحكمون بإجماع في مسألة ولا دليل لهم فيها إلّا الروايات المستفيضة عن أهل بيت العصمة والطهارة تمنعهم الظروف القاسية من التصريح بها .
هذه مجمل ملحمة الفقه والفقهاء ومحنة العلم والعلماء ، ولا يختلف الحال في ما نحن فيه من تاريخ تأليف الأصول وتصنيفه ، إذ مرّ بنفس الظروف والشرائط ، فإنا نرى سيدنا المرتضى علم الهدى في كتابه « الذريعة إلى أصول الشريعة » - الّذي يعد من أوائل المصنفات المفصلة في هذا الفن الباقية بين أظهرنا - قد استدل في أكثر من مائتي مورد بالآيات الكريمة ، ولا نجده طاب ثراه قد ذكر لنا من الروايات إلا قرابة مائة وعشرة كلها جاءت عن طريق العامة ، حتى أنه في بحث القياس - مع كل ما عندنا من الروايات المتضافرة أو المستفيضة بل كادت أن تكون متواترة عن طريق الأئمة سلام اللّه عليهم - نجده قد ذكر لنفيه بضع روايات عاميّة قد صححها أعلامهم ، وتعرض إلى خبرين جاءا في النهي عن القياس وذمه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام ، وكلاهما بإسناد عامي ، وهو يقول في مقام بيان اخبار الخاصة :
الحاشية على كفاية الأصول — صفحة مقدمة 31
مساهمون: السيد البروجردي
صمقدمة ٣١