وتعصب - يعتقدون بهذه التصانيف والروايات ، وكانوا يتناقلونها يدا بيد ، وصدرا لصدر ، فضلا عن أصحابنا ، وحسبنا منها ما ذكرناه قريبا ، والّذي يعد - بلا ريب - النزر اليسير مما كتب أو صدر عنهم عليهم السلام ، إذ انّ أغلب الأصول الأربعمائة المدونة آنذاك قد فقدت ، وما هو بأيدينا اليوم من الكتب الأربعة قد ذكر بعض ما في الأصول الأربعمائة ، ولا يعد - بلا شك - عدم شمول هذه المصنفات والرسائل لجميع مواضيع علم الأصول منقصة لها ، إذ نجد ما كتب في أصول الفقه من الكتب الأوليّة لفقهائهم كرسالة الشافعي - التي هي العمدة عندهم - تفتقر إلى الإحاطة بمعظم أبواب الأصول فضلا عن كلها ، إذ نلمس فيها القصور عنوانا والتقصير تبويبا ومعنونا نعم ، هناك جملة من المباحث التي ذكروها واستدلوا عليها بوجوه ظنيّة بل وهميّة كالقياس والاستحسان وسدّ الذرائع ونظائرها لم تقبلها الخاصّة وأعرضت عنها ولم تتعرض لها . بل نجد عشرات الكتب والرسائل التي ألّفها أصحابنا من زمن الصادقين عليهم السلام إلى يومنا هذا في نفي حجيتها وعدم اعتبارها ، كما أنّ عدم عنونة بعض المسائل من قبل أصحابنا وعدم ذكر الوجوه العقلية لها في ذلك الزمان لم يكن إلّا لعدم حاجتهم لها ، لإمكان وصولهم إلى الواقع الّذي هو بين أظهرهم ، وانفتاح باب العلم عليهم ، وإمكان الوصول إليهم صلوات اللّه عليهم مما يغنيهم عن كل دليل وبرهان ، على عكس العامة وأعلامها إذ وجدوا الفراغ في الأصول والفروع منذ وفاة الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مما اضطرهم إلى التمسك بكل غث وسمين مما عبّروا عنه استدلالا وهو بالوهم أشبه ليوصلهم إلى الأحكام الإلهيّة ، فضاع عليهم الطريق وضلوا وأضلّوا ، وحرموا في هذا المسير من معالم أهل البيت وبحار علومهم ، ولم يرتووا من منهلهم ، ولم يأخذوا من شريعتهم ، وهذا مما أبرز الفرق الجوهري والجذري بين روح الفكر الأصولي عند الخاصة مع الخطّ الفكري عند العامّة .
الحاشية على كفاية الأصول — صفحة مقدمة 23
مساهمون: السيد البروجردي
صمقدمة ٢٣