أما أن المقتضي ثابت فهو عموم حديث لا تنقض اليقين بالشكّ ، فإنه شامل لحكم الشريعة السابقة ، إذ هو لم يقل : لا تنقض اليقين بحكم هذه الشريعة ، وإنما قال : لا تنقض اليقين بالشكّ .
وأما أن المانع مفقود فلأن ما يتصوّر كونه مانعا أحد البيانين التاليين :
1 - أن يدّعى أن اليقين مفقود ، بل الشكّ في البقاء مفقود أيضا ، فإن الأحكام السابقة هي ثابتة في حقّ الأفراد الموجودين في ذلك الزمان دون الأفراد الموجودين في هذا الزمان ، فاليقين بثبوتها في حقنا مفقود ، بل إن الشكّ في البقاء مفقود أيضا ، فإنّا لا نشكّ في بقاء تلك الأحكام ، إذ هي لم تكن من البداية ثابتة في حقنا ، وإنما نشكّ في حدوث مثلها في حقنا .
2 - أن يقال : إن شريعتنا لمّا كانت ناسخة لجميع الشرائع فلازم ذلك اليقين بعدم بقاء تلك الأحكام ، لا أنه نشكّ في بقاءها .
إذن البيان الأوّل يقول : إنه لا يقين بالحدوث ولا شكّ في البقاء ، بينما البيان الثاني يقول : لنفرض أن اليقين بالحدوث ثابت إلّا أنه لا يوجد شكّ في البقاء بل يوجد جزم بعدمه .
هذا حاصل البيانين الذين قد يتمسّك بهما لإثبات عدم جريان استصحاب حكم الشرائع السابقة .
وأجاب الشيخ المصنف عن البيان الأوّل بأن أحكام الشريعة السابقة لم تثبت للأفراد الموجودة في ذلك الزمان بنحو القضية الخارجية ، وإنما هي ثابتة للأفراد بنحو القضية الحقيقية ، أي هي ثابتة لكل مكلف بالغ عاقل ، سواء أكان موجودا في ذلك الزمان أم يوجد فيما بعد ، ومن المعلوم أن من مصاديق ذلك الناس الموجودين في هذا الزمان .
إن أحكام الشريعة السابقة - بل أحكام كل شريعة - هي ثابتة للأفراد
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى — صفحة 214
مساهمون: الشيخ محمد باقر الإيرواني
ص٢١٤