لا أكثر ، وإذا تمّ الفحص جرى الأصل وتثبت البراءة العقلية والنقلية ، وهذا مما لا إشكال فيه ، غايته أن الحكم الآخر قد يثبت وقد لا يثبت .
ونؤكّد من جديد : أن أصل البراءة يجري على جميع التقادير ، ولا توقّف في جريانه أبدا ، لا أنه لا يجري ما دام يثبت بجريانه حكم آخر ، بل يجري ولكن قد يثبت الحكم الآخر وقد لا يثبت .
وللتوضيح نقول : إنه توجد صور ثلاث في هذا المجال هي :
1 - أن تكون البراءة موضوعا لحكم شرعي آخر ، كما لو فرض أن الدليل قد دلّ على أن الطعام إذا كان حلال الأكل فيجوز بيعه ، فإنه إذا وجدنا طعاما وشككنا في حلية أكله فبأصل الحل والبراءة يثبت الحل ، وبثبوت الحلّ يثبت جواز البيع ، ولا محذور في ذلك ، فإن الحكم الآخر لم يثبت بنفس أصل الحل حتّى يقال : إنه لا قدرة له على ذلك ، وإنما يثبت بذلك الدليل الخاص الدال على أن ما حلّ أكله جاز بيعه .
2 - أن تكون البراءة ملازمة لثبوت حكم شرعي آخر ، كما لو دخل المكلّف المسجد وقد حلّ وقت الصلاة ورأى أن فيه نجاسة ، ولكنها كانت بشكل شكّ في قدرته على إزالتها ، إنه مع وجوب الإزالة ترتفع فعلية وجوب الصلاة فإذا أجرى البراءة عن وجوب الإزالة زال المانع من توجّه وجوب الصلاة إليه ، إنه في مثل هذه الحالة يجري أصل البراءة دون أي مانع ، وبجريانه يزول المانع من فعلية وجوب الصلاة .
إذن الصلاة تجب لا بأصل البراءة من وجوب الإزالة حتّى يقال :
إنه لا قدرة له على ذلك وإنما أصل البراءة يزيل المانع ، ووجوب الصلاة يكون ثابتا بدليله الخاص ، يعني مثل دليل
أَقِيمُوا الصَّلاةَ *
.
وفرق هذه الصورة عن سابقتها أنه في السابقة كانت البراءة عن