وملخّص مناقشة الحديث الأوّل : أن كلمة من وإن كانت تبعيضية لا بيانية ولا بمعنى الباء ، ولكن يحتمل كون التبعيض المستعمل فيه هو التبعيض بحسب الأفراد دون الأجزاء ولو بقرينة سياق الحديث .
هذا كله في الحديث الأوّل .
مناقشة الحديث الثاني :
وأما الحديث الثاني فناقشه بمناقشتين :
1 - وهذه المناقشة هي عين المناقشة المتقدمة ، وذلك بأن يقال : إنه لا يجزم بكون المقصود من كلمة الميسور ما كان بحسب الأجزاء ، بل من المحتمل كون المقصود الميسور بحسب الأفراد ، وكأنّه يراد أن يقال : إن الذي تعذّر عليه صوم بعض أيام شهر رمضان فالأيام الميسورة لا يسقط وجوب صومها بتعذّر صوم الأيام المعسورة ، وهذا كما قلنا خارج عن محل الكلام .
2 - إنه لو سلّمنا كون المقصود من الميسور ما كان بحسب الأجزاء ولكن نقول : إن كلمة لا يسقط لا يجزم بكون المقصود منها عدم السقوط بنحو الإلزام فلعلّ المقصود يرجح عدم السقوط لا أنه يلزم . والقرينة على الاحتمال المذكور أن الحديث عام يشمل المستحبات أيضا ولا يختص بالواجبات ، ومن الواضح أن عدم سقوط الميسور في باب المستحبات هو أمر راجح وليس بلازم .
إذن الأمر يدور بين احتمالين : فإما أن يكون الحديث عاما للمستحبات فيلزم تفسير عدم السقوط بالعدم بنحو الرجحان ، أو يكون المراد من عدم السقوط هو العدم بنحو اللزوم فيتعيّن تخصيص الحديث بخصوص الواجبات ، ولا يمكن الجمع بين عمومه للمستحبات وبين إرادة عدم السقوط بنحو اللزوم ، وبالتالي لا نجزم بإرادة اللزوم من عدم السقوط ، وهذا يكفي لسقوط الحديث عن الحجية .