أجل نستثني من ذلك حالة ما إذا أمكن إجراء الأصل لإحراز ترك جميع المفطرات ، فإنه إذا فرض جريان الأصل المذكور فلا يعود مانع من ارتكاب الفرد المشكوك ، وهذا كما لو فرض أن المكلف أراد تزريق الإبرة وسط النهار ، فإنه يتمكن أن يقول : إني قبل التزريق تارك لجميع المفطرات جزما فإذا قمت بالتزريق أشكّ في بقاء ما كان فاستصحبه . « 1 »
إنه ببركة هذا الاستصحاب يحصل إحراز ترك جميع المفطرات ، غايته هو إحراز تعبّدي وليس إحرازا وجدانيا ، ولكن هذا لا يضرّ ، فإن اللازم هو إحراز تحقيق المطلوب أعم من أن يكون بالإحراز الوجداني أو التعبدي .
ومثال الحالة التي لا يجري فيها الأصل : ما إذا فرض أن المكلّف لم يكن تاركا للمفطرات إلى طلوع الفجر بل كان يزاولها ، وبمجرد طلوع الفجر هجر جميع المفطرات وأخذ بالتزريق في آن واحد ، فهنا لا يمكن استصحاب ترك المفطرات ، إذ الحالة السابقة حسب الفرض هي مزاولة المفطرات .
إنه من خلال هذا اتّضح أن البراءة تجري في حالتين :
1 - إذا كان النهي انحلاليا .
2 - إذا كان الأصل جاريا لإثبات إحراز تحقّق المطلوب .
ثمّ ذكر قدّس سرّه بعد ذلك : وإن شئت قلت : إن المقام شبيه بباب
هامش
( 1 ) قد يقال : إن هذا الاستصحاب لا يجري لأن إثبات جواز ارتكاب المشكوك باستصحاب ترك الطبيعة لا يتم إلّا بناء على فكرة الأصل المثبت الذي هو ليس بحجة .
والجواب : نحن لا نريد إثبات جواز ارتكاب المشكوك بالاستصحاب ، فإن ذلك هو مقتضى أصل البراءة بلا حاجة إلى استصحاب - كما سيصرّح به قدّس سرّه في آخر هذا التنبيه - بل نريد أن ننفي المانع من خلال الاستصحاب ، فإن المانع من البراءة هو لزوم إحراز ترك الطبيعة ، والاستصحاب يحرز ذلك .