أما أن القرينة الأولى مندفعة فباعتبار أن الفاء وإن دلت على التفريع وإن العمل أتي به بداعي البلوغ إلّا أن الداعي لا يوجب تعنون العمل بذلك الداعي ، فمن أكل بداعي الشبع يقال : إنه أكل ولا يقال :
أكل الأكل المتّصف بأنه موجب للشبع ، وهكذا الحال في المقام .
وبكلمة أخرى : أن الداعي عبارة أخرى عن الحيثية التعليلية ، ومن المعلوم أن الحيثية التعليلية تغاير الحيثية التقييديّة وليست نفسها ، فعلّة الفعل لا تكون قيدا وعنوانا له . « 1 »
وأما أن القرينة الثانية مندفعة فباعتبار أن بعض الروايات وإن كان قد ذكر فيها قيد الالتماس إلّا أنها ساكتة عن بيان أن الثواب ثابت على ذات العمل أو على العمل المقيّد بالالتماس ، ومعه فلا يعود مانع من الأخذ بظاهر صحيحة هشام الدالة على أن الثواب ثابت على ذات العمل ، فتلك مجملة وهذه مبيّنة ، وإجمال المجمل لا يمنع من الأخذ بظاهر المبيّن ، « 2 » وبناء على هذا يكون المقام على وزان من سرح لحيته فله كذا ثواب الدال على ثبوت الثواب على ذات العمل .
ثمّ قال : ولعلّ المشهور الذي أفتى بالاستحباب في مورد البلوغ بطريق ضعيف ، وبالتالي قال : إن قاعدة التسامح في أدلة السّنن قاعدة تامة وصحيحة ، إنه لعلّ الوجه فيما ذهب إليه هو ما أشرنا إليه من أن ظاهر الصحيحة ثبوت الثواب لذات العمل ، والقرينتان مدفوعتان .
هامش
( 1 ) قد يقال بمخالفة هذا للوجدان ، فإن من ضرب اليتيم بقصد التأديب يمدح على نفس الضرب لأنه تعنون بعنوان حسن .
( 2 ) قد يقال : إن هذا تام إذا كانت صحيحة هشام ظاهرة في ثبوت الثواب لذات العمل ، فإنه به يرتفع إجمال تلك الرواية ، أما إذا فرض أن ظهورها لم يكن بدرجة واضحة فلا تصلح لرفع إجمال تلك ، ولا يتمّ آنذاك ما ذكر ، ولعلّه لأجل هاتين المناقشتين أو إحداهما أشار بالأمر بالفهم والتأمل .