وأما المناقشة الثانية فلا نسلّم أن النصوص متعارضة ، بل نعتقد أن نصوص الاحتياط قابلة للمناقشة بالشكل الذي تقدّم سابقا ، حيث قلنا : إن الآيات المستدل بها على لزوم الاحتياط قابلة للمناقشة ، وهكذا الروايات المستدل بها على ذلك ، ومعه يكون المناسب هو الحكم بالبراءة شرعا ، فإن نصوصها هي التامة دلالة دون نصوص الاحتياط .
وأما المناقشة الثالثة فلا نسلّم بإمكان الرجوع إلى حكم العقل السابق بعد تعارض النصوص ، فإنه ما المقصود من الرجوع إلى الحكم السابق للعقل ؟ فهل يراد استصحاب ذلك الحكم العقلي السابق ، وهو واضح الضعف ، فإن الأحكام العقلية لا يحصل فيها شكّ كي تقبل الاستصحاب ، أو يراد من الرجوع إلى الحكم السابق للعقل هو أنه ما دام قد حكم هناك بالحظر فليحكم هنا بالحظر ، وجوابه واضح ، فإن العقل حينما يحكم بشيء فلا بدّ من وجود نكتة خاصة ، ولعلّ تلك النكتة التي لأجلها حكم هناك غير ثابتة هنا ، فلعلّ تلك النكتة هناك هي أن الشرع ما دام لم يقصد بعد لإيصال الأحكام فلا بدّ من الحظر ، إذ لعلّ الحكم عنده واقعا هو ذلك ولكنه لم يوصله ويبيّنه لنا باعتبار أنه لم يصر في صدد الايصال بعد ، وهذا بخلافه في محل الكلام هنا فيمكن أن يحكم العقل بالبراءة ، باعتبار أنه لو كان الحكم هو الحظر فلا بدّ من ايصاله - لأن الفرض أنه قد صار بصدد الايصال والتبليغ - وحيث لم يوصله ولو بسبب التعارض فيحكم بقبح العقاب بلا بيان .
إذن كونه قد حكم هناك بالحظر لا يلزم منه أن يحكم هنا بالحظر .
وقد تقول : إنه توجد نكتة يلزم أن يحكم العقل لأجلها بالحظر في مقامنا أيضا وإن كانت هذه النكتة مغايرة للنكتة السابقة .
والنكتة هذه هي أنه لو أردنا ارتكاب الشبهة التحريمية - كما إذا
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى — صفحة 396
مساهمون: الشيخ محمد باقر الإيرواني
ص٣٩٦