الأمارات ، فإنه وجوب طريقي يترتّب عليه صحة العقاب على الواقع المجهول ، فالواقع المجهول إنما لا يصحّ العقاب على مخالفته فيما إذا لم يجعل الوجوب الطريقي المذكور ، فكما أنه عند قيام خبر الثقة على أن هذا الشيء خمر تصح العقوبة لو خالف المكلف وشربه واتّضح كونه خمرا فكذلك في المقام يصحّ العقاب على ارتكاب المشتبه بالشبهة البدوية بعد أن جعل المولى وجوب الاحتياط بنحو الوجوب الطريقي .
وبكلمة أخرى : أنه لو احتجّ المكلّف على المولى وقال : سيدي لما ذا تعاقبني على الواقع المجهول بعد أن كان يقبح العقاب بلا بيان ؟ فالمولى يتمكن أن يجيب ويقول : إنما يقبح أن اعاقبك على الواقع المجهول فيما إذا لم أجعل وجوب الاحتياط ، أما بعد أن جعلته فلا يقبح العقاب . « 1 »
وعليه يتضح من خلال هذا كله أن وجوب الاحتياط هو المقدّم والحاكم على حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان دون العكس .
ثمّ بعد الفراغ من هذا أخذ بالتعرّض إلى الجوابين ، وهما :
1 - إن أخبار الاحتياط لو فرض أنها دلت على وجوب الاحتياط فنقول : إن أخبار البراءة هي أخص منها بل وأظهر ، والأخص والأظهر مقدّم بلا إشكال على العام .
أما كيف كانت أخبار البراءة أخص وأظهر ؟ ذلك أنك إذا أخذت
هامش
( 1 ) نتمكن أن نقول : إن هذا الجواب يرجع بحسب روحه إلى دعوى ضيق قاعدة قبح العقاب في حدّ نفسها بنظر العقل من البداية ، فهي من البداية لا يحكم بها العقل في مورد جعل الوجوب الطريقي ، كجعل الخبر حجة أو كجعل وجوب الاحتياط ، فالمدّعى ضيق القاعدة وتخصّصها في حدّ نفسها لا تخصيصها حتّى يقال : لا يمكن تخصيص الأحكام العقلية .