بينما الشيخ المصنّف استدل على ذلك بالسيرة العقلائية والمتشرعيّة على ارتكاب الإنسان لبعض المضار الدنيوية من دون أن يحتمل أحد حرمة ذلك ، كالشخص الذي يسافر كسائق لحمل البضائع ، وقد تستمر السفرة أشهرا بل عاما كاملا وهو يتحمّل شتى المصاعب والآلام والأضرار في سفره الطويل المذكور ، ولا يحتمل أحد حرمة مثل هذا السفر .
ولا وجه لأن يجاب بأن هذا السفر هو سفر لأجل الضرورة ومعيشة العائلة ، فهو جائز لأجل ذلك ، إن هذا التوجيه مرفوض ، باعتبار أن مثل السفر المذكور يحكم بجوازه حتّى لو كان بلا ضرورة ملحّة تستدعيه .
وبالجملة : إذا كان المقصود من الضرر في القاعدة الثانية هو الضرر الدنيوي فلا نسلّم القاعدة الثانية من الأساس ولا نسلّم بوجوب دفع الضرر الدنيوي المحتمل بل المتيقن .
2 - إنّنا لا نسلّم ملازمة احتمال حرمة الشيء لاحتمال الضرر في متعلّقه ، فإن الأحكام تنشأ من مفاسد ومصالح في متعلّقاتها ، وتلك المفاسد والمصالح لا يلزم أن تكون من قبيل الضرر والنفع ، بل ربما أحيانا يجزم بحرمة الشيء وفي نفس الوقت يجزم بعدم ثبوت الضرر فيه ، كما هو الحال في السرقة من الناس ، فإنها لا توجب الضرر جزما بل توجب نفع السارق ، ورغم ذلك هي حرام ، وهذا معناه أن الحرمة يلزم أن تنشأ من مفسدة في متعلّقها ولكن تلك المفسدة لا يلزم أن تكون من قبيل الضرر .
وهكذا الحال في بعض العبادات المحرّمة كصلاة التراويح مثلا ، فإنها محرّمة لمفسدة فيها ، ولكن تلك المفسدة ليست هي من قبيل الضرر على مرتكبها .
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى — صفحة 370
مساهمون: الشيخ محمد باقر الإيرواني
ص٣٧٠