هذا حاصل ما أفاده قدّس سرّه في هذا الدليل .
وكان من المناسب ذكر مناقشة أخرى ، وهي أن الإجماع بمعنى الاتفاق وعدم الخلاف لم يثبت تحقّقه ، إذ كيف يدّعى ذلك والحال أن الإخباريين مخالفون في المسألة ويقولون بوجوب الاحتياط وعدم جريان البراءة ؟ إن هذا كان من المناسب الإشارة إليه كما هو واضح .
الدليل الرابع : العقل :
وأما بالنسبة إلى الدليل الرابع ، أعني العقل فبيانه واضح ، وهو أن يقال : إن العقل يحكم بالبراءة ، يعني بقبح العقاب بلا بيان . ولكن ما هو مدرك هذه القاعدة ؟ إنه ليس إلّا الوجدان ، نظير الحكم بأن الكل أكبر من الجزء ، فكما أنه لا مدرك لهذا إلّا الوجدان فكذا المقام .
وهذا الدليل في نظر الشيخ المصنف تام ولا ريب فيه .
هذا ولكن قد يخطر إلى الذهن المناقشة بما يلي : إنّنا نسلّم بحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ، ولكن ندّعي أن البيان ثابت لا أنه معدوم ، ومعه يكون العقاب عقابا مع البيان لا بدونه .
وما هو ذلك البيان ؟ إنه قاعدة عقلية ثانية تقول : يجب دفع الضرر المحتمل . وهذه قاعدة مسلّمة أيضا ، فلو فرض أنك احتملت أن عقربا أو حية هي بالقرب منك فهل تبقى لابثا في مكانك ؟ كلا جزما ، وهذا معناه أن الضرر المحتمل يجب دفعه .
إنه إذا سلّمنا بهذه القاعدة الثانية فسوف تكون هي بيانا ، إذ القاعدة الأولى تقول : يقبح العقاب بلا بيان ، والقاعدة الثانية تقول : إنّي أسلّم أنه يقبح العقاب بلا بيان ولكن أقول : إن البيان ثابت من خلال حكم العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل .