وأجاب الشيخ المصنف بما حاصله : إنّنا نتساءل عن الضرر المذكور في القاعدة الثانية ، فهل يراد به الضرر بمعنى العقوبة الأخروية أو يراد به الضرر الدنيوي ؟
فإن أريد به العقوبة فالمناسب أن تكون القاعدة الأولى هي الحاكمة والمقدّمة على القاعدة الثانية ، لأن الثانية تقول : إن العقاب متى ما كان محتملا فيلزم دفعه ، والمفروض أن القاعدة الأولى تقول : تقبح العقوبة بلا بيان ، فهي تحصّل لنا الأمن واليقين بعدم وجود عقوبة ما دام لا بيان للتكليف بحرمة التدخين مثلا .
هذا إذا فرض أن المورد كانت تجري فيه قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، أي كانت الشبهة بدوية ، وأما إذا لم تجر ، كما إذا كانت الشبهة محصورة ، يعني مقرونة بالعلم الإجمالي ففي مثله لو ارتكب المكلف أحد الأطراف وصادف ارتكابه الحرام كان مستحقّا للعقاب ولكن لا لأجل قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل ، بل لأجل وجود المقتضي وفقدان المانع ، أما المقتضي فهو ارتكاب الحرام الواقعي حسب الفرض ، وأما انعدام المانع فلأن قاعدة قبح العقاب لا تجري في مورد وجود العلم الإجمالي .
وهذا معناه أن ضمّ القاعدة الثانية إلى جنب القاعدة الأولى هو كضمّ الحجر إلى جنب الإنسان ، فهي لا تسمن ولا تغني من جوع ، إنها سواء أضمّت إلى القاعدة الأولى أم لم تضم لا يؤثّر ذلك شيئا ، فإنه في مورد الشبهة البدوية تكون العقوبة منتفية وغير محتملة لجريان القاعدة الأولى من دون وجود مجال للقاعدة الثانية ، وفي مورد الشبهة المحصورة يثبت استحقاق العقوبة من دون مدخلية للقاعدة الثانية ، فإدخالها في الميدان إلى جنب القاعدة الأولى أمر لا وجه له .
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى — صفحة 368
مساهمون: الشيخ محمد باقر الإيرواني
ص٣٦٨