أما لما ذا يجب التدرّج بالشكل المذكور ولا يجوز الرجوع إلى مظنون الاعتبار ؟ ذلك لأنه ما دام يمكن الأخذ بالأعلى فلا يجوز عقلا الأخذ بالأدون ، يعني ما دام يمكن الأخذ بما هو متيقن الاعتبار - في نفسه أو بالإضافة - في المرحلة الأولى والأخذ بالاحتياط في المرحلة الثانية فلا يجوز الأخذ بالظن بالحكم أو بالاعتبار ولا تصل النوبة إلى ذلك .
2 - إنّنا لا نسلّم وجوب الرجوع إلى السنّة من الأساس ، أي إن السنّة التي يجب الرجوع إليها هي السنّة بمعنى نفس قول المعصوم عليه السّلام وفعله وتقريره ، وذلك يتحقّق بالأخذ بالأخبار المتواترة أو بالمحفوفة بالقرينة القطعية ، إن الرجوع إلى السنّة في الحدود المذكورة نسلّم بوجوبه بل بضرورة ذلك ، وأما السنّة بمعنى أخبار الآحاد الظنية فلا نسلّم قيام الضرورة على وجوب الرجوع إليها بل ذلك أوّل الكلام ، كيف والمسألة وقعت محلا للاختلاف ، فالسيد المرتضى وأتباعه قالوا : إن الخبر ليس حجة ، وهذا معناه أن وجوب الرجوع إلى الأخبار ليس أمرا ضروريا وواضحا .
هذا بالنسبة إلى إيرادي الشيخ المصنّف .
وأما الإيراد الذي ذكره الشيخ الأعظم فحاصله أن هذا الدليل ليس دليلا مستقلا في حدّ نفسه بل هو إما أن يرجع إلى دليل الانسداد - الذي يأتي التمسّك به لإثبات حجية مطلق الظن من دون اختصاص بالأخبار - أو إلى الدليل الأوّل العقلي الذي تقدّم سابقا .
وإن شئت قلت : إن كان المقصود من هذا الدليل الثالث العقلي دعوى أنّنا نعلم بثبوت أحكام شرعية واقعية في مجموع الوقائع المختلفة قد انسدّ باب العلم والعلمي بها ، وبالتالي يجب امتثالها اما من خلال الاحتياط أو من خلال الظن ، وحيث إن الاحتياط لا نحتمل وجوبه فيتعيّن سلوك طريق الظن ، إن الدليل
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى — صفحة 258
مساهمون: الشيخ محمد باقر الإيرواني
ص٢٥٨