ثمّ أشار قدّس سرّه إلى مطلب كان الجدير عدم الإشارة إليه ، وهو أنّ اشتراط عدم مخالفة الخبر النافي للاستصحاب يتمّ بناء على جريان الاستصحاب في حدّ نفسه في الوقائع التي يعلم بانتقاض الحالة السابقة في بعضها كما هو الحال بناء على رأي المشهور ، وأما بناء على رأي الشيخ الأعظم فالاستصحاب لا يجري في حدّ نفسه وينحصر الأصل المانع من الأخذ بالخبر النافي بأصل الاشتغال .
وفي المقام نقول : لو وردتنا أخبار نافية بعدد خمسين مثلا ، ونفترض أن الحالة السابقة في كل واقعة كانت هي ثبوت التكليف ، كوجوب الجمعة مثلا وما شاكل ذلك فهنا لا نحتمل كذب جميع هذه الأخبار النافية فسوف يحصل جزم بصدق بعضها من دون تعيين ، ولازم ذلك العلم إجمالا بانتقاض بعض الحالات السابقة في تلك الوقائع الخمسين ، فواحد منها قد تبدّل فيه التكليف الوجوبي مثلا إلى العدم ، أعني الإباحة مثلا ، ومعه يلزم بناء على رأي الشيخ الأعظم عدم جريان الاستصحاب في أيّ واحد من تلك الوقائع الخمسين .
والنتيجة من كل هذا : إن المنجّز هو العلم الصغير فقط ، ولازمه وجوب العمل بالخبر المثبت وجواز العمل بالنافي ، وهي نفس النتيجة التي يريد القائل بحجية الخبر التوصّل إليها .
وقبل أن نختم الحديث حول هذا الدليل نطرح هذا التساؤل : لما ذا التأكيد على وجود علمين ؟ أليس من الجدير الاقتصار على العلم الثاني ، باعتبار أن العلم الأوّل لا يقدّم شيئا ولا يؤخّر فذكره في المقام أمر لا داعي إليه ، فنقصر نظرنا على العلم الثاني ، ونقول : إن لدينا علما في دائرة الأخبار يقضي بصدق بعضها ، ولازم ذلك وجوب العمل بكل خبر مثبت وجواز العمل بالخبر النافي .
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى — صفحة 244
مساهمون: الشيخ محمد باقر الإيرواني
ص٢٤٤