تكرار الإنذار من قبل أشخاص متعددين بل من قبل الشخص الواحد أيضا كي يحصل العلم ومن ثمّ ليجب الحذر بعد حصول العلم . « 1 »
إن قلت : لما ذا لا نتمسك بالإطلاق ونقول : إن الآية الكريمة أوجبت الحذر بشكل مطلق ولم توجبه في خصوص حالة حصول العلم ، أي لم تقل : لعلّهم يحذرون إن حصل لهم العلم من قول المنذرين ؟
قلت : إن الآية الكريمة هي في مقام البيان من ناحية وجوب النفر وليست في مقام البيان من ناحية وجوب الحذر ، فالآية قالت :
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ
، وهذا واضح في أنها في مقام البيان من ناحية وجوب النفر ، وبعد ذلك قالت :
وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ
. . .
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
، وهي لا تريد أن تبيّن متى يجب الحذر ، ولعلّه واجب في خصوص حالة حصول العلم ، ومن الواضح أن الكلام إذا كان في مقام البيان من ناحية ولم يكن في مقام البيان من ناحية أخرى فلا يصح التمسّك بالإطلاق من الناحية الثانية التي لا بيان بلحاظها .
ثمّ بعد ذلك ترقّى قدّس سرّه وذكر أنه يمكن أن نقول : إن الآية الكريمة تشتمل على قرينة خاصة تدل على اختصاص وجوب الحذر بحالة حصول العلم ، وتلك القرينة هي : إن الحذر يجب عقيب الإنذار بما حصل التفقّه به ، ومن الواضح أن التفقه ليس هو مجرد تعلّم الأحكام الشرعية كيفما اتفق بل خصوص الأحكام الشرعية الصادرة من الشرع حقا ، أما غير الصادرة وإنما يتخيّل كونها صادرة ويتوهم ذلك فتعلّمها ليس تفقها ، وعليه فلا بدّ وأن يحصل إحراز وعلم للمنذرين - بفتح الذال - بأن ما انذروا به هو حق واقعا ، فالحذر لا يجب تعبدا بل متى ما حصل علم بمطابقة الإنذار للواقع .
هامش
( 1 ) مناقشة الوجه الثالث لم يشر إليها الشيخ المصنف وإنما اقتصر على مناقشة الوجه الثاني ، ولعلّ ذلك لوضوح مناقشته بعد اتضاح مناقشة الوجه الثاني .