وأما الوجوب الشرعي فقد ذكر في توجيهه أن الحذر إذا حسن وجب شرعا ، إذ لم يفصّل أحد بالقول بحسن الحذر من دون أن يحكم بوجوبه ، وفي الجواب نقول : صحيح لم يقل أحد بالتفصيل ولكن الحجة هو القول بعدم التفصيل لا مجرد عدم القول بالتفصيل ، فإن القول بعدم التفصيل يدل على بطلان التفصيل ، وأما مجرد عدم القول به فلا يدل على بطلانه .
هذا كله في مناقشة الوجه الأوّل .
وأما الوجه الثاني - وهو أن الإنذار إذا كان واجبا يلزم وجوب الحذر ، إذ من اللغو أن يقول الحكيم العاقل للمنذرين : أنتم يلزمكم الإنذار ولكن أنتم أيها المستمعون لا يلزمكم الحذر - فتمكن مناقشته بأن الإنذار يمكن أن يكون واجبا ولكن رغم هذا لا يجب الحذر تعبّدا وإنما يجب عند حصول العلم من إنذار المنذر ، فمتى ما حصل العلم بأن ما انذر به المنذر هو حق ومطابق للواقع فآنذاك يجب الحذر ، إن هذا أمر محتمل ، ومن المعلوم أن هذا لا ينفع في إثبات حجية الخبر ، فإن النافع هو أن يكون الحذر واجبا تعبّدا - أي وإن لم يحصل العلم من إنذار المنذر - عند الإنذار ، وأما وجوبه عند حصول العلم فهو من باب حجية العلم وليس من باب حجية الخبر .
وبكلمة أخرى : أن الإنذار المتكرر يمكن أن يكون واجبا كي يحصل العلم والوضوح بسبب تكرّره ، ومن ثمّ ليجب الحذر عند حصول العلم والوضوح .
هذا كله في مناقشة الوجه الثاني .
ومن خلال هذا اتّضحت مناقشة الوجه الثالث ، إذ يقال : لعلّ الغاية من الإنذار ليست هي الحذر تعبّدا بل عند حصول العلم من قول المنذر ، فيجب
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى — صفحة 207
مساهمون: الشيخ محمد باقر الإيرواني
ص٢٠٧