والجواب : أن ذلك لأجل أن الحكم إنما يصير فعليّا فيما إذا بلغ درجة التحريك والزجر ، فإذا بلغ ذلك فهو فعلي ويكون صالحا للتنجز - أي لو علم به المكلف - بمعنى استحقاق العقوبة مخالفته ، أما إذا لم يكن فعليا فذلك يعني أنه لا تحريك ولا زجر على طبقه بل نتمكن أن نقول : هو حقيقة ليس بحكم وليس أمرا ولا نهيا ولأجل ذلك لا يكون تعلّق القطع به مجديا ، لأنه قطع بحكم إنشائي لا يصلح للتنجز واستحقاق العقوبة . نعم ربما موافقته تكون موجبة لاستحقاق الثواب إلّا أن مخالفته لا تستلزم استحقاق العقاب ، إنه لأجل هذا قيد متعلق القطع بما إذا كان فعليا .
والخلاصة : أن الحكم إذا لم يكن فعليّا فهو ليس بحكم حقيقة حتّى يكون تعلّق القطع به منجّزا .
إشكال ابن قبة :
سوف يأتي إن شاء اللّه تعالى عند البحث عن حجية الأمارة التعرّض إلى هذا التساؤل : هل أن تشريع الحجية للأمارة أو للأصل العملي أمر ممكن في حدّ نفسه أو لا ؟
إن ابن قبة ذهب إلى الاستحالة ، بدعوى أنه يلزم إما محذور اجتماع المثلين أو الضدين ، لأن الثابت واقعا إذا كان هو وجوب الظهر مثلا فالأمارة إذا أدّت إلى وجوب الظهر أيضا فسوف يلزم اجتماع وجوبين على صلاة الظهر ، وإذا أدت إلى اباحتها ونفي وجوبها فسوف يلزم اجتماع الضدين .
هذا حاصل إشكال ابن قبة ، ويأتي فيما بعد إن شاء اللّه تعالى جوابه ، ولكن هنا نريد أن نقول : إن هذا الإشكال يتمّ لو فرض أن الوجوب الواقعي كان وجوبا فعليا ، وأما إذا كان وجوبا إنشائيا فلا يرد ، لأن محذور اجتماع المثلين أو الضدين إنما يرد لو كان كلا الحكمين