المتقدّم بين أن يكون مخصّصا أو منسوخا بالعام . وهذا معناه أن كلا الاحتمالين ممكن ومقبول ، ولكن الأرجح رغم ذلك هو التخصيص .
أما لما ذا يكون التخصيص هو الأرجح ؟ ذلك باعتبار أنه يوجد في مثل ذلك ظهوران : ظهور للعموم في شموله لجميع الأفراد بما في ذلك الفقير الفاسق ، وهذا الظهور ثابت بالوضع لوجود أداة كل حيث قيل : أكرم كل فقير ، وهي موضوعة للعام ، كما هو واضح ، ولازم هذا الظهور أن يكون العام ناسخا للخاص ورافعا لحرمة إكرام الفاسق إلى وجوب الإكرام .
هذا هو الظهور الأوّل .
والظهور الثاني هو ظهور الخاص المتقدّم في أن حكمه مستمر إلى الأبد ، أي إن حرمة إكرام الفقير الفاسق مستمرة إلى ما بعد زمان ورود العام أيضا ، حيث لم تقيّد الحرمة بفترة محدّدة ولم يقل : لا تكرم الفقير الفاسق إلى زمان ورود العام . ولازم استمرار الحرمة إلى ما بعد ورود العام أن يكون الخاص مخصّصا للعام كما هو واضح .
إذن الأمر يدور بين ظهورين ، والظهور الأوّل وإن كان أقوى لكونه بالوضع بخلاف الظهور الثاني ، فإنه أضعف لكونه بسبب مقدمات الحكمة - حيث لم تقيّد الحرمة بفترة محدّدة فيتمسك بالإطلاق - ولكنه يقدّم الظهور الثاني رغم كونه أضعف لصيرورته أقوى بسبب شيوع التخصيص وندرة النسخ .
وعليه فنكتة شيوع التخصيص وندرة النسخ تصير سببا لتقديم احتمال التخصيص ، ولكن لا من جهة أنها توجب الظن بالتخصيص حتّى يقال : إن الظن ليس حجة ، بل من جهة أنها توجب صيرورة ظهور الخاص في الاستمرار - الذي لازمه التخصيص - أقوى رغم كونه ناشئا من مقدمات الحكمة .
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى — صفحة 440
مساهمون: الشيخ محمد باقر الإيرواني
ص٤٤٠