وبالجملة : إن الاستصحاب لا يجري بلحاظ الملازمة ويجري بلحاظ الوجوب .
وقد تقول : إن الاستصحاب لا يجري بلحاظ الوجوب أيضا ، لأن وجوب المقدمة لازم ذاتي لوجوب ذي المقدمة ، كالزوجية التي هي لازم ذاتي للأربعة ، ونحن نعرف أن لوازم الذات لا يمكن جعلها بالجعل البسيط ولا بالجعل التأليفي ، فالزوجية مثلا لا يمكن جعلها بالجعل البسيط ، أي لا يمكن إيجادها وخلقها وحدها وبشكل مستقل ، لأن أي شخص إذا أراد إيجادها فإما أن يوجدها بعد فرض ثبوت الأربعة أو يوجدها بقطع النظر عن ذلك ، وكلاهما باطل .
أما الأوّل فلأنه مع فرض تحقق الأربعة يلزم أن تكون الزوجية متحققة أيضا فما معنى جعلها وخلقها ؟
وأما الثاني فلأنه بقطع النظر عن الأربعة لا يمكن ثبوت الزوجية وجعلها .
إنه لأجل هذا البيان اشتهر أن اللوازم الذاتية لا يمكن جعلها بالجعل البسيط ولا بالجعل التأليفي . « 1 »
ومن هنا نسب لابن سينا أنه قال : ما جعل اللّه المشمشية للمشمش وإنما خلق اللّه المشمش .
هامش
( 1 ) ويعبر عن الجعل البسيط - الذي هو خلق الشيء وإيجاده وحده - بمفاد كان التامة ، وعن الجعل التأليفي - الذي هو خلق الشيء وإثباته لشيء آخر - بمفاد كان الناقصة ، فحينما تقول : كان زيد - أي وجد - فهو مفاد كان التامة ، بينما حينما تقول : كان زيد عالما فهو مفاد كان الناقصة .
وفي المقام إذا كان الجاعل يخلق الزوجية ويثبتها للأربعة فهو مفاد كان الناقصة ، أما إذا كان يخلق الزوجية وحدها وهكذا الأربعة وحدها فهو مفاد كان التامة .