إن قلت : إنه يوجد مسقط رابع ، وهو الإتيان بما يكون محصّلا للغرض من دون أن يكون متعلّقا للأمر ، نظير ركوب الطائرة المغصوبة والوصول بها إلى مكّة المكرمة لأداء الحج ، فإن الأمر الغيري المتعلّق بالمقدمة يسقط جزما - ولا يكلّف المكلف بالرجوع إلى بلاده والركوب من جديد في طائرة مباحة - باعتبار تحقق الغرض ، وهو الوصول إلى مكّة المكرمة ، ولكن هذا السقوط ليس لأجل موافقة الأمر ، إذ لا أمر بركوب المغصوب ، بل لأجل تحقق الغرض بغير المأمور به .
ولعلّ مقامنا من هذا القبيل ، أي إن الأمر الغيري يسقط عند وصول الطائرة المباحة إلى مكّة المكرمة قبل تحقق الحج لا من باب تحقق الموافقة حتّى يكشف ذلك عن تعلّق الأمر الغيري بذات المقدمة ، بل من جهة تحقق الغرض بغير المأمور به .
قلت : إن الفعل متى ما توفرت فيه أمور ثلاثة يلزم أن يكون متعلّقا للأمر ، والأمور الثلاثة هي : كونه اختياريا ، وكونه محصّلا للغرض ، وعدم وجود المانع من توجّه الوجوب إليه .
وركوب الطائرة المغصوبة حيث إنه يشتمل على المانع من توجّه الوجوب فلا يمكن تعلّق الأمر الغيري به ، وهذا بخلاف ركوب الطائرة المباحة والوصول إلى مكّة قبل أداء الحج فإنه يلزم تعلّق الأمر الغيري بالركوب المذكور ، لأنه فعل اختياري للمكلف ، ومحصّل للغرض ، ولا يوجد مانع من توجّه الوجوب إليه .
والخلاصة : إن سقوط الأمر الغيري عند تحقق الوصول إلى مكّة قبل أداء الحج يدل على أن الأمر الغيري متعلّق بذات المقدمة ، ولا يحتمل أن يكون السقوط المذكور لأجل تحقق الغرض من دون تحقق الأمر والموافقة .
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى — صفحة 209
مساهمون: الشيخ محمد باقر الإيرواني
ص٢٠٩