وربما يدعم التفسير المذكور ببعض الشواهد القرآنية ، من قبيل :
قوله تعالى :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ،
« 1 » حيث يدل على أن صدور الفعل من الإنسان منوط بمشيته وبمشية اللّه سبحانه ولكن مشية الإنسان متعلقة بذات الفعل بينما مشية اللّه متعلقة بإفاضة القدرة والحياة .
وقوله تعالى :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ،
« 2 » أي لا تقولنّ إني سأفعل الشيء الفلاني غدا ، فإن اللّه سبحانه قد لا يشاء فعلك وذلك بسلب الحياة أو القدرة عنك ، فيدل ذلك على أدب قرآني وأنه في مقام التعبير لا بدّ وأن يعبّر المؤمن هكذا : إن شاء اللّه سبحانه فإني سأفعل الشيء الفلاني غدا .
وبناء على هذا يستفاد أن صدور الفعل من الإنسان يحتاج إلى مشية اللّه ومشية الإنسان نفسه ، ولكن مشية الإنسان تتعلق بالفعل الصادر منه بينما مشية اللّه تكون متعلقة بحياة الإنسان وقدرته .
هذا ويحتمل أن يكون مقصود الآية شيئا آخر ، وهو أنه ينبغي للمؤمن أن لا ينسب صدور الفعل إلى نفسه حتّى مع التعليق على مشية اللّه سبحانه ، وبناء على هذا يكون قوله :
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
جزءا من مقول القول ، أي لا تقولوا حتّى هذا التعبير : سأفعل غدا الشيء الفلاني إن لم يشأ اللّه سبحانه خلاف ذلك ، حيث يدل التعبير المذكور على أن الإنسان مستقل في فعله وأنه مفوّض إليه وأن الذي يضرّه هو المشية على الخلاف ولا يحتاج إلى المشية الموافقة ، فتدل الآية الكريمة بناء على هذا على ابطال فكرة التفويض ولا تدل على إثبات فكرة الأمر بين الأمرين .
هامش
( 1 ) الإنسان : 30 .
( 2 ) الكهف : 23 و 24 .