كل ما يقوم به ينتهي بالتالي إلى الشقاوة أو السعادة الذاتية اللتين هما خارجتان عن الاختيار ومخلوقتان للّه سبحانه بسبب خلقه للذات ، فإن خالق الذات خالق لذاتياتها .
وبكلمة جامعة لهذه الملاحظة وسابقتها : إن ما ذكره تلزم منه فكرة كون الإنسان مجبرا في أفعاله واستحكام إشكال العقاب .
3 - أن ما ذكره مناف لما دلّ على أن العذاب هو من باب الاستحقاق والجزاء ، ولما دلّ على ثبوت فكرة المغفرة والتوبة والشفاعة ، ولما دلّ على أن العبد يوقف ويسأل عن الصغير والكبير ، بل تلزم لغوية إرسال الرسل وانزال الكتب ، وهكذا تلزم لغوية تشريع الدعاء وطلب التوفيق والاستقامة وعدم الانحراف .
والصحيح في دفع الإشكال أن يقال : إننا نسلّم حاجة كل ممكن إلى علة ، ولكن نقول : إن وجود الأفعال من الإنسان معلول لإرادته واختياره ، والإرادة والاختيار في ذاتهما معلولان للّه سبحانه ، حيث أعطى القدرة على انتخاب الطريق والعمل وفق الإرادة
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ،
« 1 »
كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ ،
« 2 » وأما إعمال الإرادة بهذا الشكل أو بذاك فهو لا يحتاج إلى علة فاعلية وإنما يحتاج إلى مرجّح ، فإن الترجيح بلا مرجّح قبيح ، وهذه هي نقطة الخلط والخبط .
وللتوضيح أزيد نقول : إن وجود الفعل يحتاج إلى علة ، وهي الإرادة ، وأما الإرادة نفسها فتارة يقال : هي في أصل وجودها تحتاج إلى
هامش
( 1 ) الإنسان : 3 .
( 2 ) الإسراء : 20 .