إذن يلزم إما تخلّف المراد عن الإرادة أو عدم تعلّق التكليف الجدي بالإيمان .
وحاصل الجواب : إننا نختار تعلّق الإرادة بإيمان الكفار ولكن نقول : إن الإرادة اللازمة في صيرورة التكليف جديا هي الإرادة التشريعية دون الإرادة التكوينية ، ومن الواضح أن الإرادة التشريعية يمكن تخلّفها عن المراد وإن كانت الإرادة التكوينية لا يمكن فيها ذلك . « 1 »
هامش
( 1 ) الفارق بين الإرادتين أن الإرادة التشريعية تكون متعلقة بالتشريع أو بكلمة أخرى بفعل العباد من صلاة وصوم وما شاكل ذلك ، بينما الإرادة التكوينية تكون متعلقة بفعل اللّه سبحانه ، أي بايجاد العالم بنظامه الجميل الكامل .
وإنما كان الانفكاك ممكنا في الإرادة التشريعية باعتبار أن متعلقها صدور الفعل من المكلف عن اختياره وإرادته ، فإذا لم يتحقق الفعل لعدم إرادته له فلا يعدّ ذلك تخلّفا عن الإرادة .
هكذا يقال : أو يقال : إن متعلق الإرادة التشريعية حيث إنه التشريع فلا يكون هناك تخلّف ، فإن التشريع متحقق بمجرد إرادته ، والتعبير بالانفكاك يكون مشتملا على المسامحة ، فإن الذي انفكّ عن الإرادة ليس هو متعلقها - وهو التشريع - بل فعل المكلف ، وهو ليس متعلق الإرادة بل متعلق متعلقها . هذا في الإرادة التشريعية .
وأما الإرادة التكوينية فالوجه في استحالة الانفكاك فيها هو أن المحل بعد أن كان قابلا للوجود ، والمفروض أن المبدأ فيّاض لا بخل في ساحته ، وأيضا المفروض أن الوجود خير محض فلا بدّ من الوجود .
وينبغي الالتفات إلى قضية أخرى ، وهي أن الإرادة في حقّ اللّه سبحانه ليست عبارة عن الشوق الأكيد ، فإنها بهذا المعنى هي من لوازم الممكن ، ومن هنا كان لا بدّ من تفسيرها بمعنى أخر ، واحد التفاسير المعروفة هو أنها عبارة عن العلم بالصلاح ، غايته هي في الإرادة التكوينية عبارة عن العلم بالصلاح في هذا العالم بنظامه المتكامل ، وفي الإرادة التشريعية عبارة عن العلم بالصلاح في فعل العباد من صلاة وصوم وما شاكل ذلك .