من متاخّرى المتاخّرين لم يالوا نصحا في تهذيب الشريعة الشّريفة وترتيب مقاصد الملّة المنيفة ولم يذخروا جهدا في احراز حقائق المسائل الاصوليّة قواعد والفروعيّة وابزار دقائق الدّلائل العقليّة والنقليّة حتّى فاقوا على كثير ممّن سبقهم من أفاضل العلماء الاماميّة ونالوا ما لم ينالوه من الفضائل العلميّة والعمليّة الا ان شدّة حسن ظنّهم بمتقدّميهم ومبالغتهم في تصديقهم في نقلهم ودعاويهم وعدم استقصائهم لكلماتهم فيما نحن فيه بحذافيرها وقلة الإحاطة باقطارها والخوض في غمارها وكشف استارها واسرارها اوقعتهم في الغفلة عمّا أشرنا اليه متفرّقا ونبيّنه مفصّلا مجتمعا وأفضت بهم من حيث لا يعلمون إلى أن حاولوا ترويج ما كان لدى من قبلهم كاسد أو تصحيح ما كان عندهم فاسدا واصلاح ما لم يزل سقيما واحياء ما اتى عليه الدّهور والأعوام رميما ولم يقنعوا بذلك حتّى ادّعوا انّ ذلك مذهب جميع القائلين بحجّية اخبار الآحاد أو انّه المشهور بينهم على اختلاف كلامهم في ذلك والّذى دعاهم إلى ذلك هو انّهم لما نظروا إلى ما تقدّم من الفرق بين طريقي الخاصّة والعامّة في الاجماع المحصّل بنوا في المنقول أيضا على الفرق بين المسلكين والتّفصيل بين الطّريقين وجعلوا المنقول بطريق الاماميّة بمنزلة الخبر المروى بطريق السّماع والمشاهدة عن المعصوم عليه السّلم نظرا إلى أن ناقله ادعى بطريق التضمّن أو الالتزام القطع بقوله أو رايه وهو حجّة على ناقله وعلى غيره مطلقا سواء بلغ حدّ التّواتر أم كان من الآحاد بناء على حجّية خير الواحد في نقل السنّة كما هو مبنى الخلاف وقالوا انّ العبرة بعلم النّاقل وقطعه لا سماعه ومشاهدته فكما وجب عليه العمل بقول المعصوم في الصّورتين وجاز له الاحتجاج به فكذلك غيره ممّن يثق به أو يثبت عنده النقل بتواتره ولم يفرّقوا بين وجدان المخالف فيما نقل عليه الاجماع وعدمه نظرا إلى انّ الخلاف يترك بقول المعصوم ولا يترك قوله بمخالفة غيره وجعلوا المخالف المعاصر للنّاقل والمتقدّم والمتاخّر والكثير والنادر شرعا سواء فيما ذكر الا ان يبلغ من الكثرة بحيث يحصل العلم بوهم النّاقل أو الظنّ به أو يضعف ظن صدقه واصابته بناء على أن المناط في العمل بخبر الواحد حصول الظنّ منه فينتفي حجّيته مع عدمه أو حصول الظنّ بخلافه وربما يمنع ذلك كما قرّر في محلّه وقد يقال انّه لا يعتدّ بالمخالف المتاخّر ولا المعاصر وان كثر مع سبق الاجماع وتحصيله من فتاوى من سلف كما هو الغالب ولا بالمتقدّم مع حدوث هجره وانّما يعتدّ به حيث كانت موافقته معتبرة في تحقّقه وكان حصول الكشف بسببه وقد شدّدوا النّكير على من تقدّمهم ممّن ديدنهم ردّ الاجماع لمكان الخلاف وزعموا انّه انّما
كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع — صفحة 399
مساهمون: الشيخ أسد الله الكاظمي
ص٣٩٩