ولا ريب في أن الرسول كان يحبّ أزواجه حبا جما ويحترمهن احتراما كثيرا . لقد روي عنه أنه قال : « خيركم خيركم لنسائه » . وهذا يمثّل موقفه نحو المرأة . ومع ذلك ، فما إن وفدت عليه زوجاته يسألنه مطلبا مشروعا حتى قيل لهن إن بيت الرسول والمتارف الدنيوية لا يسيران جنبا إلى جنب . إن عليهن ان يخترن إما هذا وإما تلك . فهل من شيمة من كان عبدا لشهواته أن يغفل رغبات أزواجه على هذا النحو ؟ إن هذا ليظهر بما لا يحتمل أدنى الشك إلى أي حد كان فؤاد الرسول مبرّآ من كل نزعة خسيسة شهوانية . فهو يؤثر التخلي عن نسائه جميعا على الاستسلام لما يعتبره غير لائق بهن ، أي النزوع نحو الأشياء الدنيوية . ألا ينهض ذلك دليلا حاسما على أن غرضه من زواجه المتعدد قد يكون أيما شيء إلا الانسياق مع هوى النفس ؟
وقد يتساءل المرء : أيّ شيء يمكن ان يكون غرضه من ذلك ؟ إن القرآن الكريم ليجيب عن هذا السؤال على هذا النحو :
« يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا . وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً
. . .
وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ، إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً . »
* وهكذا أوضح هنا بأجلى بيان ان بيت الرسول ليس هو المكان الذي يجوز فيه الاستسلام لأهواء الجسد . كان الغرض أسمى من ذلك بكثير - كان هو حفظ ما سمعن وتعلّمن من طريق اتصالهنّ المستمر بالرسول لمصلحة الجنس البشري بعامة ، وبنات جنسهن بخاصة . ومن هنا طلب إليهن ان يزدرين جميع مفاتن هذه الحياة ويفرغن قلبا وروحا
هامش
( * ) السورة 33 ، الآية 28 - 29 ؛ 34 .