تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
الحرية التي تصطنع بها العصا ، وكانت مسرحا للوحوش الضارية المنقضّ بعضها على رقاب بعض ، حيث القتال والأخذ بالثأر هما الزيّ الشائع ، وحيث لم يكن لمن لا يحسن الضرب بالسيف كبير أمل في البقاء . ومع ذلك فإنه لم يسدّد في أيما مرة لكمة واحدة إلى عدوّ . وحتى بعد البعث ، عندما لجيء إلى القتال على سبيل الدفاع عن النفس وشارك الرسول بنفسه في كثير من المعارك ، فأن سيفه لم يسلّ على عدوّ ما البتة ، إلا مرة واحدة عندما اضطرّ ، في معركة أحد ، إلى أن يسلّه على عدوّ حمل عليه حملا عنيفا . ثم إنه كان محبا للسلم بالفطرة حتى لقد آثر صلح الحديبية على إراقة الدماء ، برغم ان ذلك الصلح عامل المسلمين وكأنهم فريق مغلوب . وبرغم ان الحرب كانت غريبة عن طبيعته إلى هذا الحد فقد أكره ، بحكم الظرف القاهر ليس غير ، على خوض غمار القتال . ذلك بأن الحرب شر آخر لا بدّ منه ، وقد يجيء زمان يصبح فيه اجتنابها أمرا متعذرا . ولم يكن في امكان المرء ان يعتبر الرسول قدوة كاملة لو أغفل ضرب المثل في ميدان القتال أيضا ، ابتغاء هداية الجنس البشري . ولقد نشأت أحوال ساقته إلى ساحة الحرب ليظهر كيف يتعين على الجندي العادي وعلى قائد الجيش أن يتصرف ويسلك . ونحن نلاحظ أيضا أنه عاش ، في بلد شديد القيظ مثل بلاد العرب ، حياة عفيفة ، بوصفه عزبا حتى الخامسة والعشرين من عمره . إن طهارة خلقه قد طبّق ذكرها الآفاق . وبعد ذلك عاش مع زوجة واحدة - زوجة كانت أرملة أيضا ، أرملة أكبر منه بخمس عشرة سنة - حتى بلغ الخمسين . هذه الحقائق كلها تفرض علينا ان نخلص إلى القول إن عفته كانت ممتنعة امتناعا كاملا على الشق والشهوة . ومع ذلك فقد تعيّن عليه - في كهولته تلك ، عندما يعجز العقل الراجح عن اتهامه بالشهوانية إلا إذا أعماه الهوى - أن يتخذ أكثر من زوجة لكي لا يظل هذا المظهر الذي لا سبيل إلى اجتنابه من