تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
مظاهر الحياة البشرية غير ممثّل في حياة « القدوة الكاملة » . ومما يلقي ضوآ إضافيا على الحقيقة القائلة بأن جميع ضروب النزوات والشهوات الحقيرة المميّزة للطبيعة البشرية تمييزا صارخا كانت محمدة عند الرسول ، تلك البساطة البالغة التي غلبت على طريقة حياته . فبرغم عيشه في هذا العالم أبدى تعلّقا يسيرا بالمفاتن التي يعرضها على الناس . فمن المهد إلى اللحد تقلّب الرسول في شكول من الأحوال والظروف متباينة - شكول يندر ان يقع عليها المرء في حياة رجل فرد . إن اليتم هو أقصى الشقاء والعجز على حين ان الملك هو أقصى القوة والسلطان . لقد استهل حياته يتيما ، ومن هذا الدرك ارتقى إلى ذروة المجد الملكي ، ولكن ذلك لم يحدث أيما تغيّر في أسلوب عيشه . فقد ظل يحيا على نفس الطعام المتواضع الذي اغتذى به من قبل ، ويرتدي عين الملابس البسيطة التي ارتدادها دائما ، ولزم في كل شأن من شؤونه أسلوب الحياة ذاته الذي اصطنعه يوم أن كان مجرد يتيم بائس . ان من العسير على المرء ان يتخلى عن عرش ملكيّ ويحيا حياة ناسك ، ولكن أصعب من ذلك بكثير أن يتقلد صولجان الملك ويحيا في الوقت نفسه حياة ناسك ، أن يملك السطوة والثروة ثم لا يصطنعهما إلا لخير البشر ، أن تكون أكثر المفاتن اغراء معروضة أمام ناظريه ثم لا يجيز لها ان تأسره لحظة واحدة . فحين تمت للرسول السلطة المطلقة على المدينة وضواحيها كان أثاث بيته مؤلفا من فراش عاديّ وحصير من سعف النخل وإبريق ماء فخاريّ . لقد كان يبيت ، في بعض الليالي ، على الطوى . وكانت النار كثيرا ما لا تضرم في بيته ، طوال أيام موصولة ، لطهو الطعام ، بسبب من أن الأسرة كلها كانت تحيا على التمر ليس غير . وما كان ذلك لأن الرسول عدم أسباب العيش في سعة ورفه . فقد كان بيت المال في تصرّفه . وكان خليقا بالمثرين من أصحابه - أولئك الذين لم يحجموا عن التضحية بحيواتهم