تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
من أجله - أن يسعدوا أعظم ما تكون السعادة بتزويده بكل متارف الحياة ، لو شاء أن ينعم بها . ولكنه لم يكن ليقيم وزنا لكل الأشياء الدنيوية . إن أيما توق إلى كل ما هو أرضيّ لم يستحوذ عليه في أيما يوم من الأيام ، لا في فترات العوز ولا في فترات الرخاء . وكما ازدرى عرض الحياة الدنيا ، كالسلطان والمال والجمال ، الذي حاولت قريش إغراءه به عندما كان في حال من البؤس المطلق ، كذلك ظل ينظر إلى ذلك كله نظرة لا مبالية حتى بعد أن منحه اللّه هذه الأشياء كلها من فضله . ولكن ثمة حجة أكثر حسما في هذا الموضوع تزوّدنا بها حادثة أشير إليها في الآية التي توّجنا بها هذا الفصل . وتفصيل ذلك أن أحوال المسلمين تحسّنت بعيد هجرتهم إلى المدينة . وإلى هذا ، فأن الغنائم التي وقعت في أيديهم ، بالإضافة إلى أموال افتداء الاسرى التي نالوها في معركة بدر ، جعلتهم يؤثرون الرّفه ، نسبيا . وهكذا طرأ بعض التغير على طريقة حياتهم . ولكن بيت الرسول ظل في نجوة من التأثّر بهذه النّعمة الطارئة . ولكن ضربا من الهوى البشريّ الطبيعيّ خامر أفئدة أزواج الرسول وزيّن لهنّ ان من حقهنّ ان ينعمن ، شأن غيرهن من نساء الأسر الاسلامية ، بنصيبهن من المتارف . وهكذا اتصلن بالرسول مجتمعات لأقناعه بأن يجيز لهن التمتع بنصيبهن من الرفه الدنيوي ، عندئذ هبط الوحي الإلهي يأمر الرسول بأن يقول لنسائه انهن لا يستطعن ان يبقين زوجاته إذا أردن الحياة الدنيا وزينتها . وهكذا يتعين عليهن أن يخترن إحدى خطتين : إما التمتع بالمناعم الدنيوية وإما البقاء في عصمة الرسول . فإذا ما آثرن الخطة الأولى فعندئذ يفزن بوافر مما يطمعن فيه ولكنهن يفقدن في الحال شرف العيش في كنف الرسول بوصفهن أزواجه . أفيمكن أن يكون هذا جواب رجل شهواني ؟ ان الهمّ الأعظم لمثل هذا الرجل هو السعي لإشباع أضأل نزوات من يحبّ .
حياة محمد ورسالته — صفحة 256 | مولانا محمد علي / منير بعلبكي