الرسول رأفته السخية ، كذلك ، على وحشيّ قاتل حمزة ، عمه الحبيب ، وعلى هند التي مضغت كبده . وحتى هيّار - الذي آذى [ زينب ] بنت الرسول في طريقها من مكة إلى المدينة أذى بالغا [ أفزعها فأجهضها ] وأفضى آخر الامر إلى وفاتها - عفي عنه . والواقع ان تاريخ العالم ليعجز عن تزويدنا بنظير لهذا الصفح الكريم الذي أغدقه الرسول على أمثال أولئك المجرمين الكبار . إن الضرب على وتر المواعظ الداعية إلى الصفح والغفران لا يكلف المرء شيئا كثيرا ، ولكن عفو المرء عن معذّبيه هو ليحتاج إلى قدر من الشهامة عظيم وبخاصة حين يكون أولئك المعذبون تحت رحمته . وهذا الانفساح في مدى العطف الانساني والعفو الكريم لا نقع عليه في حياة يسوع . فالحق ان يسوع لم تتح له الفرصة لممارسة فضيلة العفو ، ذلك بأنه لم يكتسب في أيما يوم السلطة التي تمكّنه من الرد على مضطهديه .
لقد فتحت مكة ، ولكن العفو العام الممنوح لأهل البلدة كان فتحا أعظم بكثير ، فتحا وراء متناول أسلحة المسلمين . لقد أسر قلوب الناس . وحتى الأعداء الألداء ، من طبقة أبي سفيان ، سحرتهم الاخلاق الاسلامية . وأدى هذا المشهد الأخير من مشاهد الشهامة الاسلامية إلى تجريد المعارضة ، على اختلاف ضروبها ، من سلاحها .
لقد رأى المكيون بأمّ العين كيف تحققت آخر الأمر جميع تلك الوعود الإلهية التي وعد بها المسلمون يوم كانوا لا يزالون يئنّون تحت وطأة تعذيب أعدائهم لهم . إن قوى المعارضة المشتركة عجزت عن إضعاف الاسلام . فكان في هذا برهان قاطع على عدالة القضية وصدقها ، برهان أزال كل شك كامن في أفئدتهم . واليوم ، والاسلام يجد نفسه كرة أخرى في غمرة أيام عصيبة ، وقد عقد الأعداء عزمهم على إبادته ، بل وقد اتحدت دول العالم كلها لمحوه من على وجه الأرض ، يبدو للمرء وكأن القوة الإلهية سوف تتجلى من جديد ، كفعلها في
حياة محمد ورسالته — صفحة 207
مساهمون: مولانا محمد علي
ص٢٠٧