تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
يكونوا ، واخضاع سائرهم لعبودية كاملة . ولقد كانت هذه هي المعاملة التي عامل بها المنتصرون مغلوبيهم دائما وأبدا ، وبالطريقة نفسها تعامل الشعوب المغلوبة ، اليوم ، في ظل أعرق الحكومات في المدينة . فقوية هي غريزة الانتقام في الطبيعة البشرية ، وانها لنزاعة إلى الاستفحال والطغيان ، وبخاصة حين يكون العدو تحت رحمة المرء المطلقة . عندئذ تتخطّى التخوم الأخلاقية كلها . ولكن قريشا كانت تؤمن ايمانا لا يتزعزع بما فطر عليه الرسول من طبيعة نبيلة رحيمة . انهم لم يتوقعوا قط أن يلقوا على يديه أيما معاملة قاسية . ومن هنا لم يكد الرسول يسألهم : « يا معشر قريش ، ما ترون اني فاعل بكم ؟ » حتى أجابوا : « خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم ! » . إنهم لم يكونوا غرباء عن كرم خلق الرسول . لقد كانوا على مثل اليقين من أن الشهامة ، التي ميّزت شخصيته طوال أربعين سنة انقضت قبل جهره بالنبوّة ، لم يتطرّق إليها أيما تغيير البتة . ولكن المعاملة التي أسبغها عليهم فاقت حتى ما كانوا يتوقعونه . لقد قال لهم : « لا تثريب عليكم اليوم . » يا لسموّ النفس ! لقد أعفاهم حتى من اللوم على جرائمهم السوداء ، بله العقوبة والقصاص . ليس هذا فحسب ، بل إنه لم يطالبهم حتى بعهد يأخذونه على أنفسهم في ما يتصل بمسلكهم في المستقبل . وممتلكات المهاجرين المبعدين ، التي كان المكيون قد استولوا عليها ، لم تردّ إليهم . لقد طلب إلى المهاجرين أن يتنازلوا عن جميع حقوقهم السابقة . وحتى يوم دخل المسلمون مكة لم يتمالك عكرمة بن أبي جهل عن ايذائهم فهاجم سريّة خالد [ بن الوليد ] . وإذ خشي العقوبة القاسية التي كان يعلم أنه يستحقها فقد فرّ بنفسه حذر الموت . وفي حال من الأسى البالغ وفدت زوجته على الرسول ، والتمست منه العفو عن زوجها . وإذ كانت رحمة الرسول لا تعرف حدودا فقد منح عكرمة ، ذلك العدوّ اللدود ، العفو أيضا . وأسبغ
حياة محمد ورسالته — صفحة 206 | مولانا محمد علي / منير بعلبكي