تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
بأن يوقدوا النيران في كل معسكر . فخليق بذلك أن يبده قريشا بعظم قوة المسلمين العددية ، وهكذا يتجنب محمد مقاومة قريش وما تستتبعه من إراقة دم . واستسلم المكيون من غير مقاومة . ومن عجب أن أبرز القرشيين الذين مثلوا بين يدي الرسول كان أبا سفيان نفسه ، زعيم المعارضة بعد أبي جهل . لقد بذل قصارى جهده ، على نحو موصول ، لإبادة الإسلام . أجل ، لقد أذن لأبي سفيان ، أكبر المسيئين للاسلام ، في المثول بين يدي الرسول لكي يغفر له ! لقد بدا ذلك امرا متعذرا جدا ولكن طبيعة الرسول الرحيمة لم تكن لتميّز بين الصديق والعدو . وهكذا عفا عن أبي سفيان . لقد بدا - قبل سنة ونصف ، عندما دعي إلى بلاط قيصر ليدلي برأيه في شخصية الرسول - وكأن نور الاسلام قد نفذ إلى قلبه . أما الآن ، فقد كان في عجزه المطلق برغم قوته كلها ، وبانتصار الاسلام النهائي برغم قلة موارده ، وفوق ذلك كله في العفو الكريم الذي أسبغه الرسول عليه - كان في هذه الاعتبارات جميعا ما أقنعه بقوة الاسلام الفطرية . إن القلب الذي كان موصدا دون الاسلام طوال عشرين سنة كاملة انشرح الآن للحق ، فاعتنق أبو سفيان الدين الجديد . وراع أبا سفيان جبروت القوة الاسلامية ، فانقلب إلى قومه مسرعا لكي ينبئهم بأن كل مقاومة للرسول عبث لا طائل تحته . ونقل إليهم في الوقت نفسه كلمة الرسول : « من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن . » ولا ريب في أن النقاد الذين يصمون الاسلام بأنه دين انتشر بالسيف سوف يخيب فألهم حين يعلمون ان اعتناق الاسلام لم يشكّل جزآ من شروط هذا الأمان . وأخيرا زحف الجيش الاسلامي على