في مكة ، كتابا أعطاه [ امرأة تسمى سارة ] وأسرّ إليها بأن تبلّغه قريشا ليقفوا على ما أعد المسلمون لهم من غزو . ولو قد وصل الكتاب إلى أيدي المكيين اذن لعمدوا هم أيضا إلى اتخاذ الاستعدادات الضرورية لمقاومة المسلمين . ولكن حكمة اللّه شاءت ان يتم هذا الفتح العظيم من غير إراقة دم البتة . فقد أحيط الرسول بكتاب حاطب خبرا . فسارع فبعث [ عليّ بن أبي طالب والزبير بن العوام ] لاعتقال حاملته ، فأدركاها وردّاها والكتاب إلى المدينة . وكان في ذلك ما أثار ثائرة المسلمين على حاطب ، الذي كان قد حاول ان يخون اخوانه في الدين . واعتقل حاطب وقدّم إلى النبي ليلقى جزاءه . ولكن الحكم عليه لم يصدر من شفتي ملك من ملوك الدنيا ، أو قائد من القواد العسكريين ، ولو قد صدر من أيهما اذن لقضى بقتل المجرم في الحال . لا ، لم تكن الحملة حملة انتقام . لقد أريد بها أن تكون مثلا خالدا على العفو - العفو يجاد به على أعداء ألدّاء . فكيف يجوز أن يعامل حاطب ، الذي كان دائما صديقا ، غير هذه المعاملة ؟
لقد قبل الرسول عذره ، وعفا عنه .
وأخيرا سار الرسول ، على رأس عشرة آلاف من أتباعه البررة ، إلى مكة ، في العاشر من رمضان ، من السنة الثامنة للهجرة ، وهكذا تحققت النبوءة التي انطلقت ، قبل ألفي عام ، من بين شفتي موسى :
« وأتى مع عشرة آلاف من القديسين . » ( سفر التثنية 33 : 2 ) .
وليس في التاريخ بعد الموسوي أيما حادثة أخرى تتحقق بها هذه الكلمات النبوئية . يا لها من ظاهرة اعجوبية ! لقد كان عدد المسلمين عشرة آلاف مقاتل ، وكانوا في الوقت نفسه كلهم « بررة » كما جاء في النبوءة . إن هدفهم في الحياة لم يكن بأية حال خوض غمار الحرب وسفك الدماء ، ولكن إقامة قواعد البر ولو كلّفهم ذلك حياتهم .
وعسكروا في مرّ الظّهران ، على مسيرة يوم من مكة . وأمروا جميعا
حياة محمد ورسالته — صفحة 202
مساهمون: مولانا محمد علي
ص٢٠٢